Friday, October 1, 2010

المقامة الوبرية

:حكى الحارِثُ بنُ همّامٍ قال


مِلتُ في رَيِّقِ زَماني الذي غبَرَ. إلى مُجاوَرَةِ أهْلِ الوبَرِ. لآخُذَ إخْذَ نُفوسِهِمِ الأبيّةِ. وألسِنَتِهِمِ العربيّةِ. فشمّرْتُ تشْميرَ منْ لا يألو جُهْداً. وجعلْتُ أضرِبُ في الأرضِ غَوْراً ونَجْداً. إلى أنِ اقتَنَيْتُ هَجْمَةً منَ الرّاغِيَةِ. وثَلّةً منَ الثّاغِيَةِ. ثم أوَيتُ إلى عرَبٍ أرْدافِ أقْيالٍ. وأبناءِ أقوالٍ. فأوْطَنوني أمنَعَ جَنابٍ. وفلّوا عنّي حدّ كُلّ نابٍ. فما تأوّبَني عندَهُم همٌّ. ولا قرَعَ صَفاتيَ سهْمٌ. إلى أنْ أضْلَلْتُ في ليلَةٍ مُنيرةِ البدْرِ. لَقْحةً غَزيرَةَ الدَّرّ. فلمْ أطِبْ نفْساً بإلْغاء طلَبِها. وإلْقاءِ حبْلِها على غارِبِها. فتدثّرْتُ فرَساً مِحْضاراً. واعتقلْتُ لَدْناً خطّاراً. وسرَيْتُ ليْلَتي جمْعاءَ. أجوبُ البَيداءَ. وأقْتَري كلَّ شجْراء ومَرْداء. إلى أن نشرَ الصّبْحُ راياتِهِ. وحَيْعَلَ الدّاعي إلى صَلاتِهِ. فنزَلْتُ عنْ متْنِ الرَّكوبَةِ. لأداء المكْتوبَةِ. ثمّ حُلْتُ في صهْوَتِها. وفرَرْتُ عنْ شحْوَتِها. وسِرْتُ لا أرى أثَراً إلا قفَوْتُهُ. ولا نشَزاً إلا علَوْتُهُ. ولا وادِياً إلا جزَعْتُهُ. ولا راكِباً إلا استَطْلَعْتُهُ. وجِدّي مع ذلِكَ يذهَبُ هدَراً. ولا يجِدُ وِرْدُهُ صدَراً. إلى أن حانَتْ صَكّةُ عُمَيٍّ. ولفْحُ هَجيرٍ يُذْهِلُ غَيْلانَ عنْ مَيٍّ. وكان يوْماً أطْوَلَ من ظِلّ القَناةِ. وأحَرَّ منْ دمْعِ المِقْلاتِ. فأيقَنْتُ أني إنْ لمْ أستَكِنّ منَ الوَقْدَةِ. وأستَجِمّ بالرّقْدَةِ. أدْنَفَني اللُّغوبُ. وعلِقَتْ بي شَعوبُ. فعُجْتُ إلى سرْحَةٍ كَثيفَةِ الأغصانِ. وريقَةِ الأفْنانِ. لأغَوّرَ تحْتَها إلى المُغَيرِبانِ. فوَاللهِ ما اسْتَرْوَحَ نفَسي. ولا اسْتَراحَ فرَسي. حتى نظَرْتُ إلى سانِحٍ. في هيئَةِ سائِحٍ. وهوَ ينتَجِعُ نُجْعَتي. ويشتَدّ إلى بُقعَتي. فكرِهْتُ انْعِياجَهُ إلى مَعاجي. فاستعَذْتُ باللهِ منْ شرّ كُلّ مُفاجي. ثمّ ترجّيْتُ أن يتصدّى مُنشِداً. أو يتبدّى مُرشِداً. فلمّا اقترَبَ منْ سرْحَتي. وكادَ يحِلّ بساحَتي. ألفَيْتُهُ شيخَنا السَّروجيَّ مُتّشِحاً بجِرابثهِ. ومُضْطَغِناً أُهْبَةَ تَجْوابِهِ. فآنسَني إذْ وردَ. وأنْساني ما شرَدَ. ثمّ استَوْضَحْتُهُ منْ أينَ أثَرُهُ. وكيفَ عُجَرُهُ وبُجَرُهُ؟ فأنشَدَ بَديهاً. ولمْ يَقُلْ إيهاً:

قُلْ لمُستَطلِـعٍ دَخـيلَةَ أمـري *** لكَ عِنـدي كَـرامَةً وعَـزازَهْ

أنا ما بينَ جوْبِ أرضٍ فـأرْضٍ *** وسُرًى في مَفازَةٍ فـمَـفـازَهْ


زادِيَ الصّيدُ والمَطيّةُ نـعْـلـي *** وجَهازِي الجِرابُ والعُـكّـازَهْ

فإذا ما هبَطْتُ مِصْراً فبَـيْتـي *** غُرفَةُ الخانِ والنّـديمُ جُـزارَهْ

ليسَ لي ما أُساءُ إنْ فاتَ أوْ أحـ *** ـزَنُ إنْ حاولَ الزّمانُ ابتِـزازَهْ

غيرَ أني أبيتُ خِلْـواً مـنَ الـهـ *** ـمّ ونَفْسي عنِ الأسى مُنْحـازَهْ

أرْقُدُ الليلَ مِلْءَ جَفْني وقَلْـبـي *** بارِدٌ مـنْ حَـرارةٍ وحَـزازَهْ

لا أُبالي منْ أيّ كـأسٍ تـفـوّقْـ *** ـتُ ولا ما حَلاوَةٌ مـنْ مَـزازَهْ

لا ولا أستَجيزُ أن أجـعَـلَ الـذ *** لّ مَجازاً إلى تسَـنّـي إجـازَهْ

وإذا مطْلَبٌ كسـا حُـلّةَ الـعـا *** رِ فبُعْداً لمَـنْ يَرومُ نَـجـازَهْ

ومتى اهتزّ للـدّنـاءةِ نِـكْـسٌ *** عافَ طبْعي طِباعَهُ واهتِـزازَهْ

فالمَـنـايا ولا الـدّنـايا وخـيْرٌ *** من رُكوبِ الخَنا رُكوبُ الجِنازَهْ

ثم رفعَ إليّ طَرْفَهُ. وقال: لأمْرٍ ما جدَعَ قَصيرٌ أنفَهُ. فأخبَرْتُهُ خبرَ ناقَتي السّارِحةِ. وما عانَيْتُهُ في يومي والبارِحَةِ. فقال: دعِ الالْتِفاتَ. إلى ما فاتَ. والطِّماحَ. إلى ما طاحَ. ولا تأسَ على ما ذهبَ. ولوْ أنهُ وادٍ منْ ذهبٍ. ولا تستَمِلْ مَنْ مالَ عنْ ريحِكَ. وأضْرَمَ نارَ تَباريحِكَ. ولوْ كان ابنَ بوحِكَ. أوْ شَقيقَ روحِكَ. ثمّ قال: هلْ لكَ في أن تَقيلَ. وتتحامَى القالَ والقيلَ؟ فإنّ الأبْدانَ أنْضاءُ تعَبٍ. والهاجِرَةَ ذاتُ لهَبٍ. ولنْ يصْقُلَ الخاطِرَ. ويُنشّطَ الفاتِرَ. كقائِلَةِ الهَواجِرِ. وخُصوصاً في شهْرَيْ ناجِرٍ. فقلتُ: ذاكَ إليْكَ. وما أُريدُ أنْ أشُقّ علَيْكَ. فافتَرَشَ التُّرْبَ واضْطجَعَ. وأظْهَرَ أنْ قدْ هجَع. وارتَفَقْتُ على أن أحرُسَ. ولا أنْعَسَ. فأخَذَتْني السِّنَةُ. إذْ زُمّتِ الألسِنَةُ. فلمْ أُفِقْ إلا والليلُ قد تولّجَ. والنّجْمُ قد تبلّجَ. ولا السّروجيّ ولا المُسرَجَ. فبِتُّ بلَيلَةٍ نابِغيّةٍ. وأحْزانٍ يَعقوبيّةٍ. أُساوِرُ الوُجومَ. وأُساهِرُ النّجومَ. أفكّرُ تارَةً في رُجْلَتي. وأخْرى في رَجْعَتي. إلى أنْ وضَحَ لي عِندَ افتِرارِ ثغْرِ الضّوّ. في وجْهِ الجوّ. راكِبٌ يخِدُ في الدّوّ. فألْمَعْتُ إليْهِ بثَوْبي. ورجوْتُ أن يُعَرّجَ إلى صوْبي. فلمْ يعْبأ بإلْماعي. ولا أوى لالْتِياعي. بلْ سارَ على هَيْنَتِهِ. وأصْماني بسهْمِ إهانَتِهِ. فأوفَضْتُ إلَيْهِ لأستَرْدِفَه. وأحْتَمِلَ تغطْرُفَهُ. فلمّا أدرَكْتُهُ بعْدَ الأينِ. وأجَلْتُ فيهِ مسْرَحَ العينِ. وجدْتُ ناقَتي مَطيّتَهُ. وضالّتي لُقطتَهُ. فما كذّبتُ أنْ أذْرَيْتُهُ عن سَنامِها. وجاذَبْتُهُ طرَفَ زِمامِها. وقلتُ لهُ: أنا صاحِبُها ومُضِلُّها. ولي رِسلُها ونسْلُها. فلا تكُنْ كأشْعَبَ. فتُتْعِبَ وتَتْعَبَ. فأخذَ يلْدَغُ ويَصْئي. ويتّقِحُ ولا يَستَحْيي. وبَيْنا هوَ ينْزو ويَلينُ. ويستَأسِدُ ويسْتَكينُ. إذْ غَشينا أبو زيْدٍ لابِساً جِلدَ النّمِرِ. وهاجِماً هُجومَ السّيلِ المُنهَمِرِ. فخِفْتُ واللهِ أنْ يكونَ يومُهُ كأمْسِهِ. وبدرُهُ مثلَ شمْسِهِ. فألحَقَ بالقارِظَينِ. وأصيرَ خبَراً بعْدَ عَينٍ. فلمْ أرَ إلا أنْ أذكَرْتُهُ العُهودَ المنسيّةَ. والفَعْلَةَ الإمْسيّةَ. وناشَدْتُهُ اللهَ. أوافَى للتّلافي. أمْ لِما فيهِ إتْلافي. فقال: مَعاذَ اللهِ أنْ أُجهِزَ على مَكْلومي. أو أصِلَ حَروري بسَمومي! بلْ وافَيْتُكَ لأخْبُرَ كُنْهَ حالِكَ. وأكونَ يَميناً لشِمالِكَ. فسكَنَ عندَ ذلِك جاشِي. وانْجابَ استِيحاشي. وأطلَعْتُهُ طِلْعَ اللِّقْحَةِ. وتبَرْقُعَ صاحِبي بالقِحَةِ. فنظَرَ إلَيْهِ نظرَ ليْثِ العِرّيسَةِ. إلى الفَريسَةِ. ثمّ أشْرَعَ قِبَلَهُ الرّمْحَ. وأقْسَمَ لهُ بمَنْ أنارَ الصبْحَ. لَئِنْ لمْ ينْجُ مَنْجَى الذُّبابِ. ويرْضَ منَ الغَنيمَةِ بالإيابِ. لَيورِدَنّ سِنانَهُ وَريدَهُ. ولَيَفْجَعَنّ بهِ وَليدَهُ ووَديدَهُ. فنبَذَ زِمامَ النآقَةِ وحاصَ. وأفلَتَ ولهُ حُصاصٌ. فقال لي أبو زيدٍ: تسَلّمْها وتسَنّمْها. فإنّها إحْدى الحُسْنَيَينِ. ووَيْلٌ أهوَنُ من وَيْلَينِ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فحِرْتُ بينَ لوْمِ أبي زيدٍ وشُكْرِهِ. وزِنَةِ نفْعِهِ بضُرّهِ. فكأنّهُ نوجِيَ بذاتِ صدْري. أو تكهّنَ ما خامَرَ سِرّي. فقابلَني بوجْهٍ طَليقٍ. وأنشدَ بلِسانٍ ذَليقٍ:

يا أخي الحامِلَ ضَيْمـي *** دونَ إخْواني وقوْمـي

إنْ يكُنْ ساءكَ أمْسـي *** فلقَـدْ سـرّكَ يوْمـي

فاغْتَـفِـرْ ذاكَ لِـهـذا *** واطّرِحْ شكري ولوْمي

ثمّ قال: أنا تَئِقٌ. وأنتَ مَئِقٌ. فكيْفَ نتّفِقُ؟ وولّى يفْري أديم الأرضِ. ويرْكُضُ طِرْفَهُ أيّما رَكْضٍ. فما عدَوْتُ أنِ اقْتَعَدْتُ مَطيّتي. وعُدْتُ لطِيّتي. حتى وصلْتُ إلى حِلّتي. بعدَ اللّتَيّا والتي

المقامة الواسطية

:حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال


ألْجأني حُكمُ دهْرٍ قاسِطٍ. إلى أنْ أنتَجِعَ أرضَ واسِطٍ. فقصَدْتُها وأنا لا أعرِفُ بها سكَناً. ولا أملِكُ فيها مسْكِناً. ولمّا حللْتُها حُلولَ الحوتِ بالبَيْداءِ. والشّعرَةِ البيضاء في اللِّمَةِ السّوداء. قادَني الحظُّ الناقِصُ. والجَدُّ النّاكِصُ. إلى خانٍ ينزِلُهُ شُذّاذُ الآفاقِ. وأخْلاطُ الرّفاقِ. وهوَ لنَظافَةِ مكانِهِ. وظَرافَةِ سكّانِهِ. يرَغّبُ الغَريبَ في إيطانِهِ. ويُنسِيهِ هوَى أوطانِهِ. فاستَفْرَدْتُ منهُ بحُجرَةٍ. ولمْ أُنافِسْ في أُجرَةٍ. فما كان إلا كلَمْحِ طرْفٍ. أو خطّ حرْفٍ. حتى سمِعتُ جاري بيْتَ بيْتَ. يقولُ لنَزيلِهِ في البيتِ: قُمْ يا بُنيّ لا قَعَدَ جَدُّكَ. ولا قامَ ضِدُّكَ. واستَصْحِبْ ذا الوجْهِ البَدْريّ. واللّوْنِ الدُرّيّ. والأصْلِ النّقيّ. والجسْمِ الشّقيّ. الذي قُبِضَ ونُشِرَ. وسُجِنَ وشُهِرَ. وسُقِيَ وفُطِمَ. وأُدْخِلَ النّارَ بعْدَما لُطِمَ. ثمّ ارْكُضْ بهِ إلى السّوقِ. ركْضَ المَشوقِ. فقايِضْ بهِ اللاّقِحَ المُلْقِحَ. المُفسِدَ المُصلِحَ. المُكْمِدَ المُفَرِّحَ. المُعَنّيَ المُروّحَ. ذا الزّفيرِ المُحرِقِ. والجَنينِ المُشرِقِ. واللّفْظِ المُقنِعِ. والنَّيْلِ المُمْتِعِ. الذي إذا طُرِقَ. رعَدَ وبرَقَ. وباحَ بالحُرَقِ. ونفَثَ في الخِرَقِ. قال: فلمّا قرّتْ شِقْشِقَةُ الهادِرِ. ولمْ يبْقَ إلا صدَرُ الصّادِرِ. برزَ فتًى يَميسُ. وما معَهُ أنيسٌ. فرأيتُها عُضْلَةً تلعَبُ بالعُقولِ. وتُغْري بالدّخولِ. في الفُضولِ. فانطلَقْتُ في أثَرِ الغُلامِ. لأخْبُرَ فحْوَى الكلامِ. فلمْ يزَلْ يسْعى سعْيَ العَفاريتِ. ويتفَقّدُ نضائِدَ الحوانيتِ. حتى انْتَهى عندَ الرّواحِ. إلى حِجارَةِ القَدّاحِ. فناوَلَ بائِعَها رَغيفاً. وتَناوَلَ منهُ حجَراً لَطيفاً. فعَجِبْتُ منْ فَطانَةِ المُرسِلِ والمُرسَلِ. وعلِمْتُ أنّها سَروجيّةٌ وإنْ لم أسْألْ. وما كذّبْتُ أنْ بادَرْتُ إلى الخانِ. منطَلِقَ العِنانِ. لأنظُرَ كُنْهَ فَهْمي. وهلْ قرْطَسَ في التّكهّنِ سَهْمي. فإذا أنا في الفِراسَةِ فارِسٌ. وأبو زيْدٍ بوَصيدِ الخانِ جالِسٌ. فتَهادَيْنا بُشْرى الالتِقاء. وتقارَضْنا تحيّةَ الأصْدِقاء. ثمّ قال: ما الذي نابَكَ. حتى زايَلْتَ جَنابَكَ؟ فقلت: دهْرٌ هَ. وجَوْرٌ فاضَ! فقال: والذي أنزَلَ المطرَ منَ الغَمامِ. وأخرَجَ الثّمرَ من الأكْمامِ. لقدْ فسَدَ الزّمانُ. وعمّ العُدْوانُ. وعُدِمَ المِعْوانُ. واللهُ المُستَعانُ. فكيفَ أفْلَتَّ. وعلى أيّ وصْفَيْكَ أجْفَلْتَ؟ فقلتُ: اتّخَذْتُ الليْلَ قَميصاً. وأدْلَجْتُ فيهِ خَميصاً. فأطْرَقَ ينْكُتُ في الأرضِ. ويفكّرُ في ارتِيادِ القَرْضِ والفَرْضِ. ثمّ اهزّ هِزّةَ مَنْ أكْثَبَهُ قنَصٌ. أو بدَتْ لهُ فُرَصٌ. وقال: قد علِقَ بقَلْبي أن تُصاهِرَ منْ يأسو جِراحَكَ. ويَريشُ جَناحَكَ. فقلتُ: وكيفَ أجمَعُ بيَ غُلٍّ وقُلٍّ. ومنِ الذي يرْغَبُ في ضُلّ بنِ ضُلٍّ؟ فقالَ: أنا المُشيرُ بكَ وإلَيْكَ. والوكيلُ لكَ وعليْكَ. معَ أنّ دينَ القوْمِ جبْرُ الكَسيرِ. وفكُّ الأسيرِ. واحتِرامُ العَشيرِ. واستِنْصاحُ المُشيرِ. إلا أنهُمْ لوْ خطَبَ إلَيْهِمْ إبْراهيمُ بنُ أدهَمَ. أو جبَلَةُ بنُ الأيْهَمِ. لما زوّجوهُ إلا على خَمْسِمائَةِ دِرْهَمٍ. اقتِداءً بما مهَرَ الرّسولُ. صلّى اللهُ عليْهِ وسلّمَ. زوْجاتِهِ. وعقَدَ بهِ أنكِحَةَ بَناتِهِ. على أنّك لنْ تُطالَبَ بصَداقٍ. ولا تُلْجأ إلى طَلاقٍ. ثمّ إني سأخْطُبُ في موقِفِ عقْدِكَ. ومجْمَعِ حشْدِكَ. خُطبَةً لمْ تفتُقْ رَتْقَ سمْعٍ. ولا خُطِبَ بمِثلِها في جمْعٍ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فازْدَهاني بوصْفِ الخُطْبَةِ المَتْلُوَّةِ. دونَ الخِطبَةِ المَجْلُوّةِ. حتى قُلتُ لهُ: قد وَكلْتُ إليْكَ هذا الخطْبَ. فدبّرْهُ تدْبيرَ منْ طَبّ لمَنْ حبّ. فنهضَ مُهَرْوِلاً. ثمّ عادَ متَهلّلاً. وقال: أبْشِرْ بإعْتابِ الدّهْرِ. واحْتِلابِ الدّرّ! فقد وُلّيتُ العَقْدَ. وأُكفِلْتُ النّقْدَ. وكأنْ قدْ. ثمّ أخذَ في مُواعدَةِ أهلِ الخانِ. وإعْدادِ حَلْواء الخِوانِ. فلمّا مدّ اللّيلُ أطْنابَهُ. وأغْلَقَ كُلُّ ذي بابٍ بابَهُ. أذّنَ في الجَماعَةِ: ألا احْضُروا في هذهِ السّاعةِ! فلمْ يبْقَ فيهِمْ إلا منْ لَبّى صوتَهُ. وحَضرَ بيْتَهُ. فلمّا اصْطَفّوا لدَيْهِ. واجتمَعَ الشاهِدُ والمشْهودُ علَيْهِ. جعلَ يرْفَعُ الأصْطُرْلابَ ويضَعُهُ. ويلْحَظُ التّقويمَ ويدَعهُ. إلى أن نعَسَ القوْمُ. وغشِيَ النّومُ. فقلْتُ لهُ: يا هَذا ضعِ الفاسَ في الرّاسِ. وخلّصِ النّاسَ منَ النّعاسِ. فنظَرَ نظْرَةً في النّجومِ. ثمّ انْتشَطَ منْ عُقلَةِ الوجومِ. وأقْسمَ بالطُّورِ. والكِتابِ المسْطورِ. ليَنْكَشِفَنّ سِرّ هَذا الأمْرِ المسْتورِ. ولَيَنْتَشِرَنّ ذِكْرُهُ إلى يوْمِ النُّشورِ. ثمّ إنّهُ جَثا على رُكْبَتِهِ. واستَرْعى الأسْماعَ لخُطْبَتِهِ. وقال: الحمدُ للهِ الملِكِ المحْمودِ. المالِكِ الوَدودِ. مُصَوّرِ كُلّ موْلودٍ. ومآلِ كلّ مطْرودٍ. ساطِحِ المِهدِ. وموَطِّدِ الأطْوادِ. ومُرْسِلِ الأمطارِ. ومسَهِّلِ الأوْطارِ. وعالِمِ الأسْرارِ ومُدْرِكِها. ومُدمِّرِ الأمْلاكِ ومُهْلِكِها. ومُكَوِّرِ الدّهورِ ومُكرِّرِها. ومُوردِ الأمورِ ومُصدِرِها. عمّ سَماحُهُ وكَملَ. وهطَلَ رُكامُهُ وهمَلَ. وطاوَعَ السّؤلَ والأمَلَ. وأوْسَعَ المُرْمِلَ والأرْمَلَ. أحْمَدُهُ حمْداً ممْدوداً مَداهُ. وأُوَحّدُهُ كما وحّدَهُ الأوّاهُ. وهوَ اللاهُ لا إلَهَ للأمَمِ سِواهُ. ولا صادِعَ لِما عدّلَهُ وسَوّاهُ. أرْسَلَ محمّداً علَماً للإسْلامِ. وإماماً للحُكّامِ. ومُسدِّداً للرَّعاعِ. ومعَطِّلاً أحْكامَ وُدٍّ وسُواعٍ. أعْلَمَ وعلّمَ. وحكَمَ وأحْكَمَ. وأصّلَ الأصولَ ومهّدَ. وأكّدَ الوعودَ وأوْعَدَ. واصَلَ اللهُ لهُ الإكْرامَ. وأوْدَعَ روحَهُ دارَ السّلامِ. ورَحِمَ آلَهُ وأهْلَهُ الكِرامَ. ما لمَعَ آلٌ. وملَعَ رالٌ. وطلَعَ هِلالٌ. وسُمِعَ إهلالٌ. إعْمَلوا رعاكُمُ اللهُ أصلَحَ الأعْمالِ. واسْلُكوا مسالِكَ الحلالِ. واطّرِحوا الحَرامَ ودعوهُ. واسْمَعوا أمرَ اللهِ وعُوهُ. وصِلوا الأرْحامَ وراعوها. وعاصوا الأهْواءَ وارْدَعوها. وصاهِروا لُحَمَ الصّلاحِ والوَرَعِ. وصارِموا رهْطَ اللّهْوِ والطّمَعِ. ومُصاهِرُكُمْ أطْهَرُ الأحْرارِ مولِداً. وأسْراهُمْ سودَداً. وأحْلاهُمْ مَوْرِداً. وأصحّهم موْعِداً. وها هُوَ أَمّكُمْ. وحلّ حرَمكُمْ. مُمْلِكاً عَروسَكُمُ المُكرّمةَ. وماهِراً لها كما مهَرَ الرّسولُ أمَّ سلمَةَ. وهوَ أكْرَمُ صِهْرٍ أودِعَ الأوْلادَ. ومُلّكَ مَنْ أرادَ. وما سَها مُمْلِكُهُ ولا وَهِمَ. ولا وَكِسَ مُلاصِمُهُ ولا وُصِمَ. أسْألُ اللهَ لكُمْ إحْمادَ وِصالِهِ ودَوامَ إسْعادِهِ. وألْهَمَ كُلاً إصْلاحَ حالِهِ والإعْدادَ لمَعادِهِ. ولهُ الحمْدُ السّرمَدُ. والمدْحُ لرَسولِهِ محمّدٍ. فلمّا فرَغَ منْ خُطبَتِه البَديعةِ النّظامِ. العَريّةِ منَ الإعْجامِ. عقَدَ العقْدَ على الخمْسِ المِئِينَ. وقال لي: بالرِّفاء والبَنينَ. ثمّ أحضرَ الحَلْواءَ التي كانَ أعدّها. وأبْدى الآبِدَةَ عندَها. فأقبلْتُ إقْبالَ الجماعَةِ علَيْها. وكِدْتُ أهوي بيَدي إلَيْها. فزجَرَني عنِ المؤاكَلَةِ. وأنْهَضَني للمُناوَلَةِ. فوَاللهِ ما كان بأسرَعَ منْ تصافُحِ الأجْفانِ. حتى خرّ القوْمُ للأذْقان. فلمّا رأيتُهُمْ كأعْجازِ نخْلٍ خاوِيَةٍ. أو كصَرْعى بنتِ خابيَةٍ. علِمْتُ أنّها لإحْدى الكُبَرِ. وأمُّ العِبَرِ. فقلتُ له: يا عُدَيّ نفْسِهِ. وعُبَيْدَ فَلْسِهِ! أعددتَ للقَوْمِ حُلْوى. أم بَلْوى؟ فقال: لمْ أعْدُ خَبيصَ البَنْجِ. في صِحافِ الخلَنْج! فقلتُ: أُقسِمُ بمَنْ أطْلَعَه زُهْراً. وهَدَى بها السّارينَ طُرّاً. لقدْ جِئْتَ شيئاً نُكْراً. وأبقَيْتَ لكَ في المُخزِياتِ ذِكْراً. ثمّ حِرْتُ فِكرةً في صَيّورِ أمِهِ. وخيفَةً منْ عدْوى عرّهِ. حتى طارَتْ نفسي شَعاعاً. وأُرعِدَتْ فَرائِصي ارْتِياعاً. فلمّا رأى استِطارَةَ فرَقي. واسْتِشاطَةَ قلَقي. قال: ما هَذا الفِكْرُ المُرْمِضُ. والرّوْعُ المومِضُ؟ فإنْ يكُنْ فِكرُك في أجْلي. منْ أجْلي. فأنا الآنَ أرتَعُ وأطْفِرُ. وأقوِي هذِهِ البُقْعَةَ مني وأُقفِرُ. وكمْ مثلِها فارَقْتُها وهيَ تصفِرُ. وإنْ يكُنْ نظَراً لنفْسِكَ. وحذَراً منْ حبسِكَ. فتناوَلْ فُضالَةَ الخَبيصِ. وطِبْ نفْسً عنِ القَميصِ. حتى تأمَنَ المُستَعديَ والمُعْديَ. ويتمهّدَ لكَ المُقامُ بعْدي. وإلا فالمفَرَّ المفَرَّ. قبْلَ أن تُسْحَبَ وتُجَرَّ. ثمّ عمَدَ لاستِخْراجِ ما في البيوتِ. منَ الأكْياسِ والتّخوتِ. وجعلَ يستَخْلِصُ خالِصَةَ كلّ مخزونٍ. ونُخبَةَ كلّ مَذْروعٍ وموزونٍ. حتى غادرَ ما ألْغاهُ فخُّهُ. كعظْمٍ استُخرِجَ مُخُّهُ. فلمّا همّنَ ما اصْطَفاهُ ورزَمَ. وشمّرَ عنْ ذِراعَيْهِ وتحزّمَ. أقبَلَ عليّ إقْبالَ منْ لبِسَ الصّفاقَةَ. وخلَعَ الصّداقَةَ. وقال: هلْ لكَ في المُصاحبَةِ إلى البَطيحَةِ. لأزوّجَكَ بأخْرى مَليحَةٍ؟ فأقْسَمْتُ لهُ بالذي جعلَهُ مُبارَكاً أيْنَما كان. ولمْ يجْعَلْهُ ممّنْ خانَ في خانٍ. إنهُ لا قِبَلَ لي بنِكاحِ حُرّتَينِ. ومُعاشَرَةِ ضَرّتَينِ. ثمّ قلتُ لهُ قوْلَ المتطبّعِ بطِباعِهِ. الكائِلِ لهُ بصاعِهِ: قدْ كفَتْني الأولى فخْراً. فاطْلُبْ آخرَ للأخْرى. فتبسّمَ منْ كلامي. ودلَفَ لالْتِزامي. فلوَيْتُ عنهُ عِذاري. وأبدَيْتُ لهُ ازْوِراري. فلمّا بصُرَ بانقِباضي. وتجلّى لهُ إعْراضي. أنشدَ:

يا صارِفاً عـنّـي الـمـو *** دّةَ والزّمانَ لـهُ صُـروفْ

ومُعنّفي في فـضْـحِ مـنْ *** جاورْتُ تعْنيفَ العَسـوفْ

لا تلْحِـنـي فـيمـا أتـيْـ *** ـتُ فإنّني بـهـمِ عَـروفْ

ولقدْ نزلْـتُ بـهـمْ فـلـمْ *** أرَهُم يُراعونَ الـضّـيوفْ

وبلَوْتُـهُـمْ فـوجـدْتُـهُـمْ *** لمّا سـبَـكْـتُـهُـمُ زُيوفْ

ما فـيهِـمِ إلا مُـخـــيـ *** ـفٌ إنْ تمكّنَ أو مَـخـوفْ

لا بالصّفـيّ ولا الـوَفـيّ *** ولا الحَفيّ ولا العَـطـوفْ

فوثبْـتُ فـيهـمْ وثْـبَة الـ *** ذئبِ الضّريّ على الخَروفْ

وتركتُهُمْ صرْعـى كـأنـهـ *** ـمْ سُقوا كأسَ الـحُـتـوفْ

وتحكّمَتْ في ما اقْـتَـنـوْ *** هُ يَدي وهُمْ رُغْمُ الأنـوفْ

ثمّ انْـثَـنَـيْتُ بـمَـغْـنَـمٍ *** حُلْوِ المَجاني والقُـطـوفْ

ولَطالَمـا خـلّـفْـتُ مـكْـ *** ـلومَ الحشى خلْفي يطـوفْ

ووَتَـرْتُ أرْبـــابَ الأرا *** ئِكِ والدّرانِكِ والسّـجـوفْ

ولَكَمْ بلغْـتُ بـحـيلَـتـي *** ما ليسَ يُبلَغُ بـالـسّـيوفْ

ووَقفْـتُ فـي هـوْلٍ تُـرا *** عُ الأُسْدُ فيهِ منَ الوقـوفْ

ولكَمْ سفكتُ وكمْ فـتـكْـتُ *** وكمْ هتكْتُ حِمـى أَنـوفْ

وكَمِ ارْتِـكـاضٍ مـوبِـقٍ *** لي في الذّنوبِ وكم خُفوفْ

لكـنّـنـي أعـدَدْتُ حُـسْـ *** ـنَ الظّنّ بالمَوْلى الـرّؤوفْ

قال: فلمّا انتهى إلى هذا البيتِ لجّ في الاستِعْبارِ. وألَظَّ بالاستِغْفارِ. حتى اسْتَمالَ هوَى قلْبي المُنحرِفِ. ورجَوْتُ لهُ ما يُرْجى للمُقْتَرِفِ المُعْتَرِفِ. ثمّ إنّهُ غيّضَ دمْعَهُ المُنْهَلّ. وتأبّطَ جِرابَهُ وانْسَلّ. وقال لابنِهِ: احتَمِلِ الباقي. واللهُ الواقي. قال المُخْبِرُ بهذِه الحِكاية: فلمّا رأيتُ انْسِيابَ الحيّةِ والحُيَيّةِ. وانتِهاءَ الدّاء إلى الكَيّةِ. علِمْتُ أن ترَبُّثي بالخانِ. مَجْلَبَةٌ للهَوانِ. فضمَمْتُ رُحَيْلي. وجمَعْتُ للرّحلَةِ ذَيْلي. وبِتُّ ليْلَتي أسْري إلى الطّيبِ. وأحتَسِبُ اللهَ على الخَطيبِ.

المقامة النصيبية

:روى الحارثُ بنُ همّام قال


أمْحَلَ العِراقُ ذاتَ العُوَيْمِ. لإخْلافِ أنواء الغَيْمِ. وتحدّثَ الرُكْبانُ بريفِ نَصيبِينَ. وبُلَهْنِيَةِ أهلِها المُخصِبينَ. فاقتَعَدْتُ مَهْرِيّاً. واعْتقلْتُ سمْهَرياً. وسِرْتُ تلفِظُني أرضٌ إلى أرضٍ. ويجذِبُني رفْعٌ منْ خفْضٍ. حتى بلغْتُها نِقْضاً على نِقضٍ. فلمّا أنخْتُ بمغْناها الخصيبِ. وضربْتُ في مرْعاها بنَصيبٍ. نوَيْتُ أن أُلْقيَ بها جِراني. وأتّخذَ أهلَها جيراني. إلى أنْ تحْيا السّنَةُ الجَمادُ. وتتعهّدُ أرضَ قوْمي العِهادُ. فواللهِ ما تمَضْمَضَتْ مُقلَتي بنوْمِها. ولا تمخّضَتْ ليْلَتي عن يومِها. دونَ أن ألفَيْتُ أبا زيدٍ السَّروجيَّ يجولُ في أرجاء نَصيبينَ. ويخبِطُ بها خبْطَ المُصابينَ والمُصيبينَ. وهوَ ينثُرُ منْ فيهِ الدُرَرَ. ويحتلِبُ بكفّيْهِ الدِّرَرَ. فوجدْتُ بها جِهاديَ قد حازَ مَغنَماً. وقِدْحيَ الفَذّ قد صار توْأماً. ولم أزلْ أتْبَعُ ظِلّهُ أينَما انبَعَث. وألتَقِطُ لفظَهُ كلّما نفثَ. إلى أنْ عراهُ مرضٌ امتدّ مَداهُ. وعرَقَتْهُ مُداهُ. حتى كادَ يسلُبُه ثوبَ المَحْيا. ويسلّمُهُ إلى أبي يَحْيى. فوجدْتُ لفَوْتِ لُقياهُ. وانقِطاعِ سُقْياهُ. ما يجدُهُ المُبعَدُ عن مرامِهِ. والمُرضَعُ عندَ فِطامِهِ. ثمّ أرْجِفَ بأنّ رهْنَهُ قد غلِقَ. ومِخْلَبَ الحِمامِ بهِ قد علِقَ. فقَلِقَ صحْبُهُ لإرْجافِ المُرْجِفينَ. وانثالوا إلى عَقوَتِهِ مُوجِفينَ:

حَيارى يميدُ بهـمْ شَـجْـوُهُـمْ *** كأنّهمُ ارتَضعوا الخـنـدَريسـا

أسالوا الغُروبَ وعطّوا الجُيوبَ *** وصكّوا الخدودَ وشجّوا الرّؤوسا

يودونَ لوْ سالمَتْـهُ الـمَـنـونُ *** وغالَتْ نفائِسَهُمْ والنّـفـوسـا

قال الرّاوي: وكنتُ في مَنِ التفّ بأصْحابِه. وأغذّ إلى بابِه. فلمّا انتهيْنا إلى فِنائِه. وتصدّينا لاستِنْشاء أنْبائِهِ. برزَ إليْنا فتاهُ. مُفترّةً شفتَاهُ. فاستَطْلَعناهُ طِلْعَ الشيخِ في شَكاتِهِ. وكُنْهَ قُوى حرَكاتِهِ. فقال: قدْ كان في قبْضَةِ المرْضَةِ. وعرْكَةِ الوعْكَةِ. إلى أنْ شفّهُ الدّنَفُ. واستشفّهُ التّلَفُ. ثمّ منّ اللهُ تَعالى بتقويةِ ذمائِهِ. فأفاقَ منْ إغمائِهِ. فارْجِعوا أدراجَكُمْ. وانْضوا انزِعاجَكُمْ. فكأنْ قد غَدا وراحَ. وساقاكُمُ الرّاحَ. فأعْظَمْنا بُشْراهُ. واقترَحْنا أنْ نَراهُ. فدخَلَ مؤذِناً بِنا. ثمّ خرَج آذِناً لنا. فلَقينا منْهُ لَقًى. ولِساناً طلْقاً. وجلسْنا مُحدِقين بسَريرِهِ. محدّقينَ إلى أساريرِه. فقلّبَ طرْفَهُ في الجَماعةِ. ثمّ قال: اجْتَلوها بنتَ السّاعةِ. وأنشَد:

عافانيَ اللهُ وشُكْـراً لـهُ *** منْ عِلّة كادتْ تُعَفّينـي

ومنّ بالبُرْء علـى أنّـهُ *** لا بُدّ منْ حتْفٍ سيَبْريني

ما يتَناسانـي ولـكـنّـهُ *** إلى تقضّي الأُكْلِ يُنْسيني

إنْ حُمّ لمْ يُغْنِ حَمـيمٌ ولا *** حمَى كُلَيْبٍ منْهُ يحْميني

وم أُبالـي أدَنـا يومُـهُ *** أم أُخّرَ الحَينُ إلى حـينِ

فأيُّ فخْرٍ في حَـياةٍ أرى *** فيها البَلايا ثمّ تُبْلـينـي

قال: فدعَوْنا لهُ بامتِدادِ الأجلِ. وارتِدادِ الوجَلِ. ثمّ تداعَيْنا إلى القِيامِ. لاتّقاءِ الإبْرامِ. فقالَ: كلاّ بلِ البَثوا بَياضَ يومِكُمْ عِندي. لتَشْفوا بالمَفاكَهَةِ وجْدي. فإنّ مُناجاتَكُمْ قوتُ نفْسي. ومَغْناطيسُ أُنسي. فتحرّيْنا مرْضاتَهُ. وتحامَيْنا مُعاصاتَهُ. وأقبَلْنا على الحَديثِ نمْخُضُ زُبْدَهُ. ونُلْغي زبَدَه. إلى أنْ حانَ وقتُ المَقيلِ. وكلّتِ الألسُنُ منَ القالِ والقيلِ. وكان يوْماً حاميَ الوَديقَةِ. يانِعَ الحَديقَةِ. فقال: إنّ النّعاسَ قدْ أمالَ الأعْناقَ. وراودَ الآماقَ. وهو خصْمٌ ألَدُّ. وخِطْبٌ لا يُرَدُّ. فصِلوا حبْلَهُ بالقَيْلولَةِ. واقْتَدوا فيهِ بالآثارِ المنقولةِ. قال الرّاوي: فاتّبعْنا ما قالَ. وقِلْنا وقالَ. فضربَ اللهُ على الآذانِ. وأفرَغَ السِّنَةَ في الأجْفانِ. حى خرَجْنا منْ حُكْمِ الوجودِ. وصُرِفْنا بالهُجودِ. عنِ السّجودِ. فما استيْقَظْنا إلا والحرُّ قدْ باخَ. واليومُ قد شاخَ. فتكرّعْنا لصَلاةِ العَجْماوَينِ. وأدّيْنا ما حَلّ منَ الدّينِ. ثمّ تحثْحَثْنا للارْتِحالِ. إلى مُلْقى الرِّحالِ. فالتَفَتَ أبو زيدٍ إلى شِبلِهِ. وكان على شاكِلَتِه وشكْلِهِ. وقال: إني لإخالُ أبا عَمْرَةَ. قد أضْرَمَ في أحشائِهِم الجَمرَةَ. فاسْتَدْعِ أبا جامِعٍ. فإنّهُ بُشرى كُلّ جائِعٍ. وأردِفْهُ بأبي نُعَيمٍ. الصّابِرِ على كلّ ضيْمٍ. ثمّ عزّزْ بأبي حَبيبٍ. المُحبَّبِ إلى كلّ لَبيبٍ. المقَلَّبِ بينَ إحْراقٍ وتعْذيبٍ. وأهِّبْ بأبي ثَقيفٍ. فحبّذا هوَ منْ أليفٍ. وهلْمُمْ بأبي عوْنٍ. فما مثلُهُ منْ عوْنٍ. ولوِ استحْضَرْتَ أبا جميلٍ. لجَمّلَ أيّ تجْميلٍ. وحَيَّ هلَ بأمّ القِرَى. المذَكِّرةِ بكِسْرى. ولا تتناسَ أمّ جابِرٍ. فكمْ لها منْ ذاكِرٍ. ونادِ أمّ الفرَجِ. ثمّ افتِكْ بها ولا حرَجَ. واختِمْ بأبي رَزينٍ. فهُو مسْلاةُ كلّ حزينٍ. وإنْ تقْرُنْ بهِ أبا العَلاء. تمْحُ اسمَكَ من البُخَلاء. وإيّاكَ واستِدْناءَ المُرْجفَينِ. قبلَ استِقلالِ حُمولِ البَينِ. وإذا نزَعَ القوْمُ عنِ المِراسِ. وصافَحوا أبا إياسٍ. فأطِفْ علَيْهِمْ أبا السَّرْوِ. فإنّهُ عُنْوانُ السّرْوِ. قال: ففَقِهَ ابنُهُ لَطائِفَ رُموزِهِ. بلَطافَةِ تمْييزِهِ. فطافَ عليْنا بالطّيّباتِ والطِّيبِ. إلى أنْ آذَنَتْ الشّمسُ بالمَغيبِ. فلمّا أجْمَعْنا على التّوديعِ. قُلْنا لهُ: ألمْ ترَ إلى هذا اليومِ البديعِ؟ كيفَ بَدا صُبحُهُ قمْطَريراً. ومُسْيُهُ مُستَنيراً؟ فسجَدَ حتى أطالَ. ثمّ رفَعَ رأسَهُ وقالَ:


لا تيْأسَنْ عندَ الـنُّـوَبْ *** منْ فرْجَةٍ تجلو الكُرَبْ

فلكَمْ سَمـومٍ هـبّ ثـ *** مّ جرَى نسيمً وانقَلَـبْ

وسَحابِ مكْـروهٍ تـنـ *** شّا فاضْمَحَلّ وما سكَبْ

ودُخانِ خطْبٍ خِيفَ منْ *** هُ فما استَبانَ لهُ لهَـبْ

ولَطالَما طلَعَ الأسـى *** وعلى تَفيئَتِـه غـرَبْ

فاصْبِرْ إذا ما نابَ روْ *** عٌ فالزّمانُ أبو العجَبْ

وترَجّ مـنْ رَوْحِ الإلـ *** ـهِ لَطائِفاً لا تُحْتَـسَـبْ


قال: فاستَمْلَيْنا منْهُ أبياتَهُ الغُرّ. وواليْنا للهِ تَعالى الشُكْرَ. وودّعْناهُ مسرورينَ ببُرْئِهِ. مَغْمورينَ ببِرّهِ.


المقامة النجرانية

:حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال

تَرامتْ بي مَرامي النّوى. ومسَاري الهَوى. إلى أن صِرْتُ ابنَ كُلّ تُربَةٍ. وأخا كُلّ غُربةٍ. إلا أني لمْ أكُنْ أقطَعُ وادِياً. ولا أشهَدُ نادِياً. إلا لاقْتِباسِ الأدَبِ المُسْلي عنِ الأشْجانِ. المُغْلي قيمَةَ الإنسانِ. حتى عُرِفَتْ لي هذه الشِّنْشِنَةُ. وتناقلَتْها عني الألسنَةُ. وصارتْ أعْلَقَ بي منَ الهوى ببَني عُذْرَةَ. والشّجاعَةِ بآلِ أبي صُفرَةَ. فلمّا ألْقَيتُ الجِرانَ بنَجْرانَ. واصطَفَيتُ بها الخُلاّنَ والجيرانَ. تخِذْتُ أندِيَتَها مُعتَمَري. وموسِمَ فُكاهَتي وسمَري. فكنْتُ أتعَهّدُها صَباحَ مساء. وأظهَرُ فيها على ما سرّ وساء. فبَينَما أنا في نادٍ محْشودٍ. ومحْفِلٍ مشْهودٍ. إذ جثَمَ لدَيْنا هِمٌّ. علَيهِ هِدْمٌ. فحَيّا تحيّةَ ملِقٍ. بلِسانٍ ذلِقٍ. ثمّ قال: يا بُدورَ المَحافِلِ. وبحورَ النّوافِلِ. قد بيّنَ الصّبْحُ لِذي عيْنَينِ. ونابَ العِيانُ مَنابَ عدْلَينِ. فماذا تَروْنَ. في ما ترَوْنَ؟ أتُحسِنونَ العَوْنَ. أم تنأوْنَ. إذْ تُدعَوْنَ؟ فقالوا: تاللهِ لقَدْ غِظْتَ. ورُمْتَ أن تُنبِطَ فغِضْتَ. فناشَدَهُمُ اللهَ عمّاذا صدّهُمْ. حتى استَوجَبَ ردَّهُمْ. فقالوا: كنّا نتَناضَلُ بالألْغازِ. كما يُتَناضَلُ يومَ البِرازِ. فما تمالَكَ أن شعّثَ منَ المَنْضولِ. وألْحَقَ هذا الفضْلَ بنمَطِ الفُضولِ. فلَسَنَتْهُ لُسْنُ القوْمِ. ووَخَزوهُ بأسنّةِ اللّوْمِ. وأخذَ هوَ يتنصّلُ من هَفوَتِهِ. ويتندّمُ على فَوْهَتِهِ. وهُمْ مُضِبّونَ على مؤاخذَتِهِ. ومُلَبّونَ داعيَ مُنابَذَتِهِ. إلى أن قالَ لهُمْ: يا قومِ إنّ الاحتِمالَ منْ كرَمِ الطّبْعِ. فعَدّوا عنِ اللّذْعِ والقَذْعِ. ثمّ هلُمّ إلى أن نُلغِزَ. ونُحكّمَ المُبرِّزَ. فسكنَ عندَ ذلِك توقُّدُهُمْ. وانحَلّتْ عُقدُهمْ. ورَضوا بما شرَطَ عليهِمْ ولَهُمْ. واقتَرَحوا أنْ يكونَ أوّلَهُمْ. فأمْسكَ ريْثَما يُعقَدُ شِسْعٌ. أو يُشَدّ نِسْعٌ. ثمّ قال: اسمَعوا وُقيتُمُ الطّيشَ. ومُلّيتُمُ العيْشَ. وأنشدَ مُلغِزاً في مِروَحَةِ الخيْش:

وجارِيَةٍ في سيرِها مُشـمَـعِـلّةٍ *** ولكِنْ على إثْرِ المَسيرِ قُفولُهـا

لها سائِقٌ من جِنسِها يستَحثّـهـا *** على أنهُ في الإحتِثاثِ رَسيلُهـا

تُرى في أوانِ القَيظِ تنظُفُ بالنّدى *** ويَبدو إذا ولّى المَصيفُ قُحولُها

ثمّ قال: وهاكُمْ يا أولي الفضْلِ. ومَراكِزَ العقْلِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في حابولِ النّخْلِ:

ومُنتَسِـبٍ إلى أمٍّ *** تَنَشّا أصْلُهُ منْهـا

يعانِقُها وقد كانـتْ *** نفَتْهُ بُرهَةً عنْهـا

بهِ يتوصّلُ الجانـي *** ولا يُلْحى ولا يُنْهى

ثمّ قال: ودونَكُمُ الخَفيّةَ العلَمِ. المُعتَكِرَةَ الظُلَمِ. وأنشدَ مُلغِزاً في القلَمِ:

ومأمومٍ بهِ عُـرِفَ الإمـامُ *** كما باهَتْ بصُحْبَتِهِ الكِرامُ

لهُ إذ يرتَوي طَيْشانُ صـادٍ *** ويسكُنُ حينَ يعْروهُ الأُوامُ

ويُذْري حين يُستَسْعى دُموعاً *** يرُقْنَ كما يروقُ الإبتِسـامُ

ثمّ قال: وعلَيْكُمْ بالواضِحَةِ الدّليلِ. الفاضِحَةِ ما قيلَ. وأنشدَ مُلغِزاً في المِيلِ:

وما ناكِحٌ أُختَينِ جَهْـراً وخُـفـيَةً *** وليسَ عليهِ في النّكـاحِ سَـبـيلُ

متى يغْشَ هذي يغْشَ في الحالِ هذه *** وإنْ مالَ بعْلٌ لـمْ تـجِـدْهُ يَمـيلُ

يَزيدُهُما عندَ المَشـيبِ تـعـهّـداً *** وبِرّاً وهذا في البُـعـولِ قَـلـيلُ

ثم قال: وهذِهِ يا أولي الألْبابِ. مِعْيارُ الآدابِ. وأنشَد مُلغِزاً في الدّولابِ:

وجافٍ وهْوَ موْصولٌ *** وَصولٌ ليسَ بالجافي

غَريقٌ بارِزٌ فاعْجَـبْ *** لهُ منْ راسِبٍ طافِ

يسُحّ دُموعَ مهْضـومٍ *** ويهْضِمُ هَضْمَ مِتْلافِ

وتُخْشى منهُ حِـدّتُـهُ *** ولكِنْ قلبُـهُ صـافِ

قال: فلمّا رشَقَ. بالخَمْسِ التي نسَقَ. قال: يا قوْمِ تدَبّروا هذهِ الخمْسَ. واعْقِدوا عليْها الخَمْسَ. ثمّ رأيَكُمْ وضَمّ الذّيلِ. أوِ الازدِيادَ منْ هَذا الكَيْلِ! قال: فاستَفزّتِ القوْمَ شهوَةُ الزّيادَةِ. على ما أُشرِبوا منَ البَلادَةِ. فقالوا لهُ: إنّ وُقوفَنا دونَ حدّكَ. ليُفْحِمُنا عنِ استِيراء زنْدِكَ. واستِشْفافِ فِرِنْدِكَ. فإنْ أتْمَمتَ عشْراً فمِنْ عِندِكَ. فاهتزّ اهتِزازَ منْ فلَجَ سهمُهُ. وانخَزَلَ خصْمُهُ. ثمّ افتَتَح النُطْقَ بالبَسمَلَةِ. وأنشدَ مُلغِزاً في المُزَمَّلَةِ:

ومَسْرورَةٍ مَغمومَةٍ طولَ دهـرِهـا *** وما هيَ تدري ما السُرورُ ولا الغَـمُّ

تُقرَّبُ أحـيانـاً لأجْـلِ جَـنـينِـهـا *** وكـمْ ولـدٍ لـوْلاهُ طُـلّـقَـتِ الأمُّ

وتُبعَدُ أحياناً ومـا حـالَ عـهـدُهـا *** وإبعادُ من لم يَستَحِلْ عهـدُه ظُـلـمُ

إذا قَصُرَ الليلُ استُـلِـذّ وصـالُـهـا *** وإن طالَ فالإعراضُ عن وصْلِها غُنمُ

لها ملـبَـسٌ بـادٍ أنـيقٌ مـبَـطَّـنٌ *** بما يُزْدَرى لكنْ لِما يُزْدرى الحُـكـمُ

ثم كشَرَ عن أنيابِهِ الصُفْرِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في الظُفْرِ:

ومرهوبِ الشَّـبـا نـامٍ *** وما يرْعى ولا يشـرَبْ

يُرى في العَشْرِ دونَ النّحْـ *** ـرِ فاسمَعْ وصفَهُ واعْجَبْ

ثم تخازرَ تخازُرَ العِفْريتِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في طاقَةِ الكِبريتِ:

وما مَحْقورَةٌ تُدْنى وتُقْصى *** وما منْها إذا فكّـرْتَ بُـدُّ

لها رأسانِ مُشتَبِهانِ جِـداً *** وكُلٌ منهُما لأخـيهِ ضِـدُّ

تعذَّبُ إن هُما خُضِبا وتُلغى *** إذا عَدِما الخِضابَ ولا تُعَدّ

ثمّ تخمّطَ تخمُّطَ القَرْمِ. وأنشدَ في حلَبِ الكَرْمِ:

وما شيءٌ إذا فسَـدا *** تحوّلَ غـيُّهُ رشَـدا

وإنْ هوَ راقَ أوصافاً *** أثارَ الشرّ حيثُ بَدا

زَكيُّ العِرقِ والِـدُهُ *** ولكِنْ بِئْسَ ما ولَـدا

ثمّ اعتَضَدَ عَصا التَّسيارِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في الطيّارِ:

وذي طَيشَةٍ شِـقُّـهُ مـائِلٌ *** وما عابَهُ بهِمـا عـاقِـلُ

يُرى أبـداً فـوقَ عِـلّـيّةٍ *** كما يعْتَلي المَلِكُ العـادِلُ

تساوَى لدَيْهِ الحَصا والنُّضارُ *** وما يستَوي الحقُّ والباطلُ

وأعْجَبُ أوصافِهِ إنْ نظرْتَ *** كما ينظُرُ الكَيّسُ الفاضِـلُ

تَراضي الخُصومِ بهِ حاكِماً *** وقدْ عرَفـوا أنّـهُ مـائِلُ

قال: فظلّتِ الأفكارُ تَهيمُ في أوديةِ الأوْهامِ. وتَجولُ جوَلانَ المُستَهامِ. إلى أن طالَ الأمَدُ. وحصْحَصَ الكمَدُ. فلمّا رآهُمْ يزنِدونَ ولا سَنا. ويقْضونَ النّهارَ بالمُنى. قال: يا قومِ إلامَ تنظُرونَ. وحتّامَ تُنظَرونَ؟ ألَمْ يأنِ لكُمُ استِخْراجُ الخَبيّ. أو استِسلامُ الغَبيّ؟فقالوا: تاللهِ لقدْ أعْوَصْتَ. ونصَبْتَ الشَّرَكَ فقنَصْتَ. فتحَكّمْ كيفَ شيتَ. وحُزِ الغُنْمَ والصّيتَ. ففرَضَ عنْ كلّ مُعَمًى فرْضاً. واستخلَصَهُ منهُمْ نَضّاً. ثمّ فتَح الأقفالَ. ورسمَ الأغْفالَ. وحاولَ الإجْفالَ. فاعتلَقَ بهِ مِدرَهُ القومِ. وقال لهُ: لا لُبسَةَ بعْدَ اليومِ. فاستَنْسِبْ قبلَ الانطِلاقِ. وهَبْها مُتعَةَ الطّلاقِ. فأطْرَقَ حتى قُلْنا مُريبٌ. ثمّ أنشَدَ والدمعُ مُجيبٌ:

سَروجُ مطْلِعُ شمْسي *** وربْعُ لَهْوي وأُنسـي

لكِنْ حُرِمْتُ نَعيمـي *** بها ولَذةَ نـفْـسـي

واعْتَضْتُ عنها اغْتِراباً *** أمَرَّ يومي وأمْسـي

ما لي مقَـرٌّ بـأرضٍ *** ولا قَرارٌ لعَنْـسـيْ

يوماً بنَـجـدٍ ويوْمـاً *** بالشّأمِ أُضْحي وأُمسي

أُزْجي الزّمانَ بقـوتٍ *** منغّصٍ مُستَـخَـسّ

ولا أبـيتُ وعـنـدي *** فلْسٌ ومَنْ لي بفَلْـسِ

ومنْ يعِشْ مثلَ عيشي *** باعَ الحياةَ ببـخْـسِ

ثم إنّهُ اخْتَبَن خُلاصَةَ النّضّ. وندرَ ضارِباً في الأرضِ. فناشدْناهُ أن يعودَ. وأسْنَيْنا لهُ الوعودَ. فلا وأبيكَ ما رجعَ. ولا التّرغيبُ لهُ نجعَ.

المقامة الملطية

:أخبرَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال

أنَخْتُ بمَلْطِيّةَ مطيّةَ البَينِ. وحَقيبَتي ملأى منَ العينِ. فجعَلْتُ هِجّيرايَ. مُذْ ألقَيْتُ بها عصايَ. أن أتورّدَ موارِدَ المرَحِ. وأتصيّدَ شوارِدَ المُلَحِ. فلمْ يَفُتْني بها منظَرٌ ولا مسمَعٌ. ولا خَلا مني ملعَبٌ ولا مرتَعٌ. حتى إذا لمْ يبْقَ لي فيها مأرَبٌ. ولا في الثّواء بها مَرْغَبٌ. عمَدْتُ لإنْفاقِ الذّهبِ. في ابتِياعِ الأُهَبِ. فلمّا أكمَلْتُ الإعْدادَ. وتهيّأ الظّعْنُ منها أو كادَ. رأيتُ تِسعَةَ رهْطٍ قد سبأوا قهوَةً. وارتَبأوا ربْوَةً. ودماثَتُهُمْ قيْدُ الألحاظِ. وفُكاهَتُهُمْ حُلوَةُ الألْفاظِ. فنحَوْتُهُمْ طلَباً لمُنادَمتِهِمْ. لا لمُدامَتِهِمْ. وشَعَفاً بمُمازَجَتِهِمْ لا بزُجاجَتِهمْ. فلمّا انتظَمْتُ عاشِرَهُمْ. وأضحَيْتُ مُعاشِرَهمْ. ألفَيتُهُمْ أبناءَ عَلاّتٍ. وقَذائِفَ فلَواتٍ. إلا أنّ لُحْمَةَ الأدَبِ. قد ألّفَتْ شمْلَهُمْ أُلفَةَ النّسَبِ. وساوَتْ بينهُم في الرُّتَبِ. حتى لاحوا مثلَ كواكِبِ الجوْزاءِ. وبدَوْا كالجُملَةِ المُتناسِبَةِ الأجْزاءِ. فأبْهَجَني الاهتِداءُ إليْهِمْ. وأحمَدْتُ الطّالِعَ الذي أطلعَني عليْهِمْ. وطفِقْتُ أُفيضُ بقِدْحي معَ قِداحِهِمْ. وأسْتَشْفي برِياحِهِمْ لا بِراحِهِمْ. حتى أدّتْنا شُجونُ المُفاوضَةِ. إلى التّحاجي بالمُقايَضَةِ. كقوْلِكَ إذا عنَيْتَ بهِ الكَراماتِ. ما مثلُ النّوْمُ فاتَ. فأنْشأنا نجْلو السُهَى والقمرَ. ونجْني الشّوْكَ والثّمَرَ. وبيْنا نحنُ ننْشُرُ القَشيبَ والرّثَّ. وننْشُلُ السّمينَ والغَثَّ. وغَلَ عليْنا شيخٌ قد ذهَبَ حِبرُهُ وسِبْرُهُ. وبقِيَ خُبْرُهُ وسَبْرُهُ. فمثَلَ مُثولَ منْ يسمَعُ وينظُرُ. ويلتَقِطُ ما ننْثُرُ. إلى أن نُفِضَتِ الأكياسُ. وحصْحَصَ الياسُ. فلمّا رأى إجْبالَ القَرائِحِ. وإكْداءَ الماتِحِ والمائِحِ. جمَعَ أذيالَهُ. وولاّنا قَذالَهُ. وقال: ما كُلّ سوْداء تمْرَةٌ. ولا كلّ صهْباء خمرَةٌ. فاعْتَلَقْنا بهِ اعتِلاقَ الحِرْباء بالأعْوادِ. وضربْنا دونَ وِجْهَتِهِ بالأسْدادِ. وقلْنا لهُ: إن دَواء الشّقّ أن يُحاصَ. وإلا فالقِصاصَ القِصاصَ. فلا تطمَعْ في أن تجْرَحَ وتطْرَحَ. وتُنهِرَ الفَتْقَ وتسْرَحَ! فلوَى عِنانَهُ راجِعاً. ثم جثَمَ بمَكانِهِ راصِعاً. وقال: أمّا إذا استَثَرْتُموني بالبَحْثِ. فلأحْكُمُ حُكمَ سُلَيْمانَ في الحرْثِ. اعْلَموا يا ذَوي الشّمائِلِ الأدبِيّةِ. والشَّمولِ الذّهبيّةِ. أنّ وضْعَ الأُحجِيّةِ. لامتِحانِ الألمَعيّةِ. واستِخْراجِ الخَبيّةِ الخفيّةِ. وشرْطُها أنْ تكونَ ذاتَ مماثلَةٍ حَقيقيّةٍ. وألْفاظٍ معْنَويّةٍ. ولَطيفَةٍ أدَبيّةٍ. فمتى نافَتْ هذا النّمَطَ. ضاهَتِ السّقَطَ. ولمْ تدْخُلِ السّفَطَ. ولم أرَكُمْ حافَظتُمْ على هذهِ الحُدودِ. ولا مِزْتُمْ بينَ المقبولِ والمرْدودِ. فقُلْنا لهُ: صدَقْتَ. وبالحقّ نطَقْتَ. فكِلْ لَنا منْ لُبابِكَ. وأفِضْ عليْنا منْ عُبابِكَ. فقال: أفْعَلُ لئلاّ يرْتابَ المُبطِلونَ. ويظنّوا بيَ الظّنونَ. ثمّ قابلَ ناظُورَةَ القومِ وقال:

يا مَنْ سَـمـا بـذَكـاءٍ *** في الفضلِ واري الزِّنادِ

ماذا يُمـاثِـلُ قـولـي *** جوعٌ أُمِــدّ بـــزادِ

ثمّ ضحِكَ إلى الثّاني وأنشدَ:

يا ذا الذي فاقَ فضْلاً *** ولمْ يُدَنّـسْـهُ شَـينُ

ما مثلُ قوْلِ المُحاجي *** ظهْرٌ أصابَتْهُ عـينُ

ثمّ لحَظَ الثّالِثَ وأنشأ يقول:

يا مَنْ نتـائِجُ فـكـرِهِ *** مثلُ النّقودِ الجـائِزَهْ

ما مثلُ قولِكَ لـلّـذي *** حاجَيْتَ صادَفَ جائِزَهْ

ثمّ أتلَعَ إلى الرّابِعِ وقال:

أيا مُستَنْبِـطَ الـغـامـ *** ضِ منْ لُغْزٍ وإضْمارِ

ألا اكْشِفْ ليَ ما مثلُ *** تنـاوَلْ ألـفَ دينـارِ

ثمّ رَمى الخامِسَ ببصرِه وقال:


يا أيّهَـذا الألْـمَــعـ *** يّ أخو الذّكاء المُنجَلي

ما مثلُ أهْمَلَ حِـلـيَةً *** بيِّنْ هُديتَ وعـجِّـلِ

ثمّ التفَت لفْتَ السّادِسِ وقال:


يا مَنْ تقـصّـرُ عـن مَـدا *** هُ خُطى مُجارِيهِ وتضْعُـفْ

ما مثـلُ قـولِـكَ لـلّـذي *** أضْحى يحاجيكَ اكفُفِ اكفُفْ

ثمّ خلجَ السابعَ بحاجِبِه وقال:

يا منْ لهُ فِطنَةٌ تـجـلّـتْ *** ورُتبَةٌ في الذّكاء جـلّـتْ

بيّنْ فمـا زِلْـتَ ذا بَـيانٍ *** ما مثلُ قولي الشَقيقُ أفلَتْ

ثم استنْصَتَ الثّامِنَ وأنشدَ:


يا مَـنْ حـدائِقُ فـضـلِــهِ *** مطلولَةُ الأزهـارِ غـضّـهْ

ما مثلُ قـولِـكَ لـلـمُـحـا *** جي ذي الحِجى ما اختارَ فِضّهْ

ثمّ حدجَ التاسِعَ ببصرِهِ وقال:

يا منْ يُشارُ إليهِ فـي الـ *** قلبِ الذّكيّ وفي البَراعَهْ

أوضِحْ لنا ما مثـلُ قـوْ *** لِكَ للمُحاجي دُسْ جماعَهْ

قال الراوي: فلما انتهى إليّ. هزّ مَنكِبَيّ. وقال:

يا منْ لهُ النُّكَـتُ الـتـي *** يُشجي الخُصومَ بها وينكُتْ

أنتَ المُبينُ فـقُـلْ لـنـا *** ما مثلُ قوْلي خاليَ اسكُتْ

ثم قال: قد أنْهلْتُكُمْ وأمهَلتُكُمْ. وإنْ شِئْتُمْ أنْ أعُلّكُمْ علّلتُكُمْ. قال: فألْجأنا لهَبُ الغُلَلِ. إلى استِسقاء العَلَلِ. فقال: لستُ كمَنْ يستأثِرُ على نَديمِهِ. ولا ممّنْ سمْنُهُ في أديمِه. ثمّ كرّ على الأوّلِ وقال:

يا منْ إذا أشكلَ المُعَمّى *** جلَتْهُ أفكارهُ الدّقـيقَـهْ

إنْ قال يوماً لكَ المُحاجي *** خذْ تلكَ ما مِثلُهُ حَقيقَـهْ

ثم ثَنى جيدَهُ إلى الثّاني وقال:

يا منْ بَدا بـيانُـهُ *** عنْ فضلِهِ مُبيِّنا

ماذا مثالُ قولِهِـمْ *** حِمارُ وحْشٍ زُيّنا

ثم أوحى إلى الثالثِ بلحْظِهِ وقال:

يا منْ غدا في فضلِهِ *** وذكائِهِ كالأصْمَعي

ما مثلُ قولِكَ للـذي *** حاجاكَ أنْفِقْ تقمَعِ

ثمّ حملَقَ إلى الرّابعِ وأنشدَ:

يا منْ إذا ما عَويصٌ *** دجا أنارَ ظلامَـهْ

ماذا يُماثِلُ قـوْلـي *** إسْتَنْشِ ريحَ مُدامَهْ

ثمّ أومضَ إلى الخامِسِ وقال:


يا مَنْ تـنـزّهَ فَـهـمُـهُ *** عنْ أن يرَوّي أو يَشُـكّـا

ما مثلُ قـولِـكَ لـلـذي *** أضْحى يُحاجي غطِّ هَلكى

ثمّ أقبلَ قِبَلَ السادِسِ وأنشدَ:


يا أخا الفِطنَةِ التي *** بانَ فيها كمالُـهُ

سارَ باللّيلِ مُـدّةً *** أيُّ شيءٍ مثالُـهُ

ثم نَحا بصرَهُ إلى السابِعِ وقال:


يا منْ تحلّى بفَـهْـمٍ *** أقامَ في الناسِ سوقَهْ

لكَ البَـيانُ فـبـيّنْ *** ما مثلُ أحْبِبْ فَروقَهْ

ثم قصدَ قصْدَ الثامنِ وأنشدَ:


يا مـنْ تـبـــوّأ ذِروَةً *** في المجدِ فاقتْ كلَّ ذرْوَهْ

ما مثلُ قولِـكَ أعـطِ إذْ *** ريقاً يلوحُ بغيرِ عُـروَهْ

ثم ابتسمَ إلى التّاسِعِ وقال:


يا مَنْ حوَى حُسـنَ الـدّرا *** يَةِ والبَيانِ بـغـيرِ شـكِّ

ما مثلُ قولِكَ لـلـمُـحـا *** جي ذي الذّكاء الثّورُ مِلكي

ثم قبَضَ بجُمْعِهِ على رُدْني وقال:


يا مَنْ سَما بثُقوبِ فِطنَـتِـهِ *** في المُشكلاتِ ونورِ كوْكبهِ

ماذا مِثالُ صَفيرُ جَحـفَـلةٍ *** بيّنْـهُ تِـبْـيانـاً ينـمّ بـهِ

قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمّا أطرَبَنا بما سمِعْناهُ. وطالَبَنا مُكاشَفَةَ معْناهُ. قُلنا لهُ: لسْنا منْ خيلِ هذا المَيدانِ. ولا لَنا بحَلّ هذِه العُقَدِ يَدانِ. فإنْ أبَنْتَ. مننْتَ. وإنْ كتَمْتَ. غممْتَ. فظَلّ يُشاوِرُ نفسَيْهِ. ويُقلّبُ قِدْحَيْهِ. حتى هانَ بذْلُ الماعونِ عليْهِ. فأقبَلَ حينئذٍ على الجَماعةِ. وقال: يا أّلَ البَلاغَةِ والبَراعَةِ. سأعلّمُكُمْ ما لمْ تكونوا تعْلَمونَ. ولا ظننْتُمْ أنّكُمْ تُعلَّمونَ. فأوْكوا عليْهِ الأوعِيَةَ. وروِّضوا بهِ الأنديَةَ. ثمّ أخذَ في تفسيرٍ صقلَ به الأذْهانَ. واستفْرَغ معهُ الأرْذانَ. حتى آضَتِ الأفْهامُ أنْوَرَ منَ الشّمسِ. والأكْمامُ كأنْ لمْ تغْنَ بالأمسِ. ولمّا همّ بالمَفرّ. سُئِلَ عنِ المَقَرّ. فتنفّسَ كم تتنفّسُ الثَّكولُ. وأنشأ يقولُ:

كلُّ شِعْبٍ ليَ شِعْـبُ *** وبهِ رَبْعـيَ رحْـبُ

غيرَ أنّـي بـسَـروجٍ *** مُستَهامُ القلْبِ صَـبّ

هيَ أرضي البِكرُ والجـ *** وُّ الذي فيهِ المَـهَـبّ

والى روضَتِها الغـنّـا *** ء دونَ الرّوضِ أصْبو

ما حَلا لي بعْدَها حُـلْـ *** وٌ ولا اعْذَوْذَبَ عذْبُ

قال الراوي: فقلْتُ لأصحابي هذا أبو زيدٍ السَّروجيّ. الذي أدْنى مُلَحِهِ الأحاجيّ. وأخذْتُ أصِفُ لهُمْ حُسنَ توشيَتِهِ. وانقِيادَ الكَلامِ لمشيّتِهِ. ثمّ التفَتُّ فإذا بهِ قدْ طمَرَ. وناءَ بما قمَرَ. فعجِبْنا ممّا صنَعَ إذْ وقَعَ. ولمْ ندْرِ أيْنَ سكَعَ وصَقَعَ.

تفسير الأحاجي المودعة هذه المقامة

أما جوع أمدّ بزاد. فمثله طوامير. وأما ظَهر إصابته عَين، فمثله مطاعين. وأما صادف جائزة، فمثله الفاصلة. وأما تناول ألف دينار، فمثله هادية. وأما أهمل حلية، فمثله الغاشية. وأما اكفف اكفف، فمثله مهمه. وأما الشقيق افلت، فمثله أخطار. وأما ما اختار فضة. فمثله أبارقة، لأن الرقة من أسماء الفضة وقد نطق بها النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال في الرقة ربع العشر. وأما دس جماعة، فمثله طافية. وأما خالي اسكت، فمثله خالصة، لأنك إذا ناديت مضافاً إلى نفسك جاز لك حذف الياء وإثباتها ساكنة ومتحرّكة، وقد حذف ههنا حرف النداء كما حذفه في أصل الأحجية، وصه بمعنى اسكت. وأما خذ تلك، فمثله هاتيك، وأما حمار وحش زينا، فمثله فرازين، لأن الفرا حمار الوحش، ومنه الحديث: كل الصيد في جوف الفرا. وأما قوله انفق تقمع، فمثله منتقم، لأن الأمر من مان يمون مُنْ. ومضارع وقمت تقِم. وأما استنش ريح مدامة، فمثله رحراح، لأن الأمر من استدعاء الرائحة رح. وأما غطِّ هلكى، فمثله صُنبور، لأن البور هم الهلكى، وفي القرآن: وكنتم قوماً بوراً. وأما سار بالليل مدة، فمثله سراحين. وأما احبب فروقة، فمثله مقلاع، لأن الأمر من ومق يمق مق، واللاع الجبان، يقال فلان هاع لاع إذا كان جباناً جزعاً. وأما اعطِ إبريقاً يلوح بغير عروة، فمثله اسكوب، لأن الأوس الإعطاء والأمر اس، والكوب الإبريق بغير عروة، وأما الثور ملكي، فمثله اللآلي، لأن اللأى على وزن القنا هو ثور الوحش. وأما صفير جحفلة، فمثله مكاشفة، لأن المكاء الصفير. قال الله تعالى: وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية؛ والأصل في المكاء المد ولكنه قصره في هذه الأحجية كما حذف همزة الفراء في أحجيته. وكلا الأمرين من قصر الممدود وحذف همزة المهموز جائز.

المقامة المكية

:حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال


نهضْتُ من مدينةِ السّلامِ. لحِجّةِ الإسلامِ. فلمّا قضيْتُ بعَونِ اللهِ التّفَثَ. واستبَحْتُ الطّيبَ والرَّفَثَ. صادَفَ موسِمُ الخيْفِ. معْمَعانَ الصّيفِ. فاستَظْهَرْتُ للضّرورةِ. بِما يَقي حرَّ الظّهيرةِ. فبَينَما أنا تحتَ طِرافٍ. مع رُفقَةٍ ظِرافٍ. وقدْ حَمِيَ وَطيسُ الحصْباء. وأعْشى الهَجيرُ عينَ الحِرْباء. إذ هجَمَ عليْنا شيخٌ مُتَسَعْسِعٌ. يتْلوهُ فتًى متَرَعرِعٌ. فسلّمَ الشيخُ تسْليمَ أديبٍ أريبٍ. وحاوَرَ مُحاوَرَةَ قَريبٍ لا غَريبٍ. فأُعْجِبْنا بما نثَرَ منْ سِمْطِهِ. وعِجبْنا منِ انبِساطِه قبلَ بسْطِهِ. وقُلْنا لهُ: ما أنتَ. وكيفَ ولَجْتَ وما استأذَنْتَ؟ فقال: أما أنا فعَافٍ. وطالِبُ إسْعافٍ. وسِرُّ ضُرّي غيرُ خافٍ. والنّظَرُ إليّ شفيعٌ لي كافٍ. وأمّا الانْسِيابُ. الذي علِقَ بهِ الارتِيابُ. فَما هوَ بعُجابٍ. إذ ما علَى الكُرَماء منْ حِجابٍ. فسألْناهُ: أنّى اهْتَدَى إليْنا. وبِمَ استَدَلّ علَيْنا؟ فقال: إنّ للكرَمِ نشْراً تَنُمّ بهِ نفَحاتُهُ. وتُرْشِدُ إلى روضِهِ فوْحاتُهُ. فاستَدْلَلْتُ بتأرّجِ عَرْفِكُمْ. على تبلّجِ عُرفِكُم! وبشّرَني تضوُّعُ رندِكُمْ. بحُسْنِ المُنقَلَبِ منْ عِندِكُم! فاستخْبَرْناهُ حينَئِذٍ عنْ لُبانَتِهِ. لنتَكفّلَ بإعانتِهِ. فقال: إنّ لي مأرَباً. ولفَتايَ مَطلَباً. فقُلْنا لهُ: كِلا المَرامَينِ سيُقْضى. وكِلاكُما سوفَ يرْضى. ولكِنِ الكُبرَ الكُبْرَ. فقال: أجَلْ ومنْ دَحا السّبْعَ الغُبْرَ. ثمّ وثبَ للمَقالِ. كالمُنشَطِ منَ العِقالِ. وأنشَدَ:

إني امرُؤٌ أُبدِعَ بي *** بعدَ الوَجى والتّعَبِ

وشُقّتي شـاسِـعةٌ *** يقْصُرُ عنها خَبَبي

وما معي خـرْدَلَةٌ *** مطبوعةٌ منْ ذهَبِ

فحيلَتـي مُـنـسَـدّةٌ *** وحَيرَتي تلعَـبُ بـي

إنِ ارتَحَلْـتُ راجِـلاً *** خِفْتُ دَواعي العطَبِ

وإنْ تخلّفْتُ عنِ الرُفْ *** قَةِ ضاقَ مذْهَـبـي

فزَفْرَتي في صُـعُـدٍ *** وعَبْرتي في صبَـبِ

وأنتُمُ مُنتـجَـعُ الـرّا *** جي ومرْمَى الطّلَـبِ

لُهـاكُـمُ مـنـهَـلّةٌ *** ولا انْهِلالَ السُحُـبِ

وجارُكُمْ فـي حـرَمٍ *** ووَفْرُكُمْ في حـرَبِ

ما لاذَ مُرْتـاعٌ بـكُـمْ *** فخافَ نابَ الـنُـوَبِ

ولا اسـتَـدَرّ آمِــلٌ *** حِباءكُمْ فما حُـبـي فانعَطِفوا في قِصّتـي *** وأحسِنوا مُنقـلَـبـي

فلوْ بلوْتُمْ عـيشَـتـي *** في مطْعمي ومَشرَبي

لساءكُمْ ضُرّي الـذي *** أسلَمَني لـلـكُـرَبِ

ولوْ خبَرْتُمْ حسَـبـي *** ونسَبي ومـذْهَـبـي

وما حوَتْ معرِفَـتـي *** منَ العُلومِ الُّـخَـبِ

لما اعتَرَتْكُمْ شُـبـهَةٌ *** في أنّ دائي أدَبــي

فلَيْتَ أنّـي لـمْ أكُـنْ *** أُرضِعْتُ ثَدْيَ الأدَبِ

فقد دَهانـي شُـؤمُـه *** وعَقّنـي فـيهِ أبـي

فقُلْنا له: أمّا أنتَ فقدْ صرّحَتْ أبياتُكَ بفاقَتِك. وعطَبِ ناقَتِكَ. وسنُمْطيكَ ما يوصّلُكَ إلى بلدِكَ. فما مأرَبَةُ ولَدِكَ؟ فقال له: قُمْ يا بني كما قام أبوكَ. وفُهْ بما في نفسِك لا فُضّ فوكَ. فنهضَ نُهوضَ البطَلِ للبِرازِ. وأصْلَتَ لِساناً كالعضْبِ الجُرازِ. وأنشأ يقول:

يا سادَةً في المَعالـي *** لهُمْ مبـانٍ مَـشـيدَهْ

ومَنْ إذا نابَ خطْـبٌ *** قاموا بدَفْعِ المكـيدَهْ

ومن يهونُ علـيهِـمْ *** بذْلُ الكُنوزِ العَتـيدَهْ

أريدُ منـكُـمْ شِـواءً *** وجرْدَقاً وعـصـيدَهْ

فإنْ غَـلا فَـرُقـاقٌ *** بهِ تُوارَى الشّـهـيدَهْ

أو لمْ يكُـنْ ذا ولا ذَا *** فشُبْعَةٌ مـنْ ثَـريدَهْ

فإنْ تـعـذّرْنَ طُـرّاً *** فعـجْـوَةٌ ونَـهـيدَهْ

فأحْضِروا ما تسنّـى *** ولوْ شَظًى منْ قَديدَهْ

وروِّجوهُ فنَـفْـسـي *** لِمـا يروجُ مُـريدَهْ

والزّادُ لا بُـدّ مـنْـهُ *** لرِحْلَةٍ لـي بَـعـيدَهْ

وأنتُـمُ خـيْرُ رهْـطٍ *** تُدعَوْنَ عند الشّـديدهْ

أيدِيكُـمُ كـــلَّ يومٍ *** لَهـا أيادٍ جَـــديدَهْ

وراحُكُـمْ واصِـلاتٌ *** شمْلَ الصِّلاتِ المُفيدَهْ

وبُغْيَتي في مَطـاوي *** ما تَرفِـدونَ زهـيدَهْ

وفيّ أجْرٌ وعُقْـبَـى *** تنْفيسِ كَرْبي حَمـيدَهْ

ولي نـتـائِجُ فِـكـرٍ *** يفضَحْنَ كُلّ قَصـيدَهْ

قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فلمّا رأيْنا الشّبْلَ يُشبِهُ الأسَدَ. أرحَلْنا الوالِدَ وزوّدْنا الولَدَ. فقابَلا الصُّنْعَ بشُكْرٍ نشَرَ أرديَتَهُ. وأدّيا بِه ديَتَهُ. ولمّا عزَما على الانْطِلاقِ. وعَقَدا للرّحلَةِ حُبُكَ النّطاقِ. قُلتُ للشّيخِ: هلْ ضاهَتْ عِدَتُنا عِدَةَ عُرْقوبٍ. أو هلْ بقيَتْ حاجةٌ في نفْسِ يعْقوبَ؟ فقال: حاشَ للهِ وكَلاّ. بل جَلّ مَعروفُكُمْ وجَلّى. فقُلتُ لهُ: فَدِنّا كما دِنّاكَ. وأفِدْنا كما أفَدْناكَ. أينَ الدّوَيْرَةُ. فقدْ ملَكَتْنا فيكَ الحَيرَةُ؟ فتنفّسَ تنفُّسَ منِ ادّكَرَ أوطانَهُ. وأنشدَ والشّهيقُ يلَعثِمُ لسانَه:

سَروجُ داري ولكِـنْ *** كيفَ السّبيلُ إلَـيْهـا

وقدْ أنـاخَ الأعـادي *** بها وأخْنَوْا علَـيْهـا

فوالّتي سِرْتُ أبْغـي *** حَطّ الذُنوبِ لـدَيْهـا

ما راقَ طرْفيَ شيءٌ *** مُذْ غِبتُ عنْ طرَفَيْها

ثمّ اغرَوْرَقَتْ عيناهُ بالدّموعِ. وآذَنَتْ مَدامِعُهُ بالهُموعِ. فكَرِهَ أن يستَوكِفَها. ولم يملِكْ أن يكَفْكِفَها. فقطَعَ إنْشادَهُ المُستَحْلى. وأوجَزَ في الوَداعِ وولّى.

المقامة المغربية

:حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال


شهِدْتُ صَلاةَ المغْرِبِ. في بعضِ مساجِدِ المغرِبِ. فلمّا أدّيتُها بفضْلِها. وشفَعْتُها بنَفْلِها. أخذَ طرْفي رُفقَةً قدِ انتَبَذوا ناحيةً. وامْتازوا صَفوةً صافيَةً. وهُمْ يتعاطَونَ كأسَ المُنافَثَةِ. ويقتَدِحونَ زِنادَ المُباحثَةِ. فرغِبْتُ في مُحادثتِهِمْ لكلِمَةٍ تُستَفادُ. أو أدبٍ يُستَزادُ. فسعَيْتُ إليهِمْ. سعْيَ المتطفّلِ عليْهِمْ. وقلتُ لهُمْ: أتقْبَلون نَزيلاً يطلُبُ جنى الأسْمارِ. لا جنّةَ الثّمارِ. ويبْغي مُلَحَ الحِوارِ. لا مَلْحاءَ الحُرارِ. فحَلّوا ليَ الحِبى. وقالوا: مرْحباً مرحَباً. فلمْ أجلِسْ إلا لمحَةَ بارِقٍ خاطِفٍ. أو نغبَةَ طائِرٍ خائِفٍ. حتى غَشيَنا جوابٌ. على عاتِقِه جِرابٌ. فحيّانا بالكلِمتَينِ. وحيّا المسجدَ بالتّسليمتَينِ. ثمّ قال: يا أولي الألبابِ. والفضلِ اللُبابِ. أما تعلَمونَ أنّ أنْفَسَ القُرُباتِ. تنْفيسُ الكُرُباتِ؟ وأمْتَنَ أسبابِ النّجاةِ. مؤاساةُ ذوي الحاجاتِ؟ وإني ومَنْ أحلّني ساحتَكُمْ. وأتاحَ ليَ استِماحتَكُمْ. لشَريدُ محلٍّ قاصٍ. وبَريدُ صِبيَةٍ خِماصٍ. فهلْ في الجَماعةِ. منْ يفثأُ حُمَيّا المَجاعَةِ؟ فقالوا له: يا هذا إنّك حضرْتَ بعْدَ العِشاء. ولمْ يبْقَ إلا فَضلاتُ العَشاء. فإنْ كنتَ بها قَنوعاً. فما تجِدُ فينا مَنوعاً. فقال: إنّ أخا الشّدائِدِ. ليَقْنَعُ بلَفَظاتِ المَوائِدِ. ونُفاضاتِ المَزاوِدِ. فأمرَ كُلٌ منهُمْ عبْدَهُ. أنْ يزوّدَهُ ما عِندَهُ. فأعجَبَهُ الصُنْعُ وشكرَ عليْهِ. وجلَسَ يرْقُبُ ما يُحْمَلُ إليْهِ. وثُبْنا نحنُ إلى استِثارَةِ مُلَحِ الأدَبِ وعُيونِه. واستِنْباطِ مَعينِهِ من عُيونِهِ. إلى أنْ جُلْنا فيما لا يَستَحيلُ بالانعِكاسِ. كقولكَ ساكِبُ كاسٍ. فتَداعَينا إلى أنْ نستَنتِجَ لهُ الأفكارَ. ونفتَرِعَ منهُ الأبْكارَ. على أنْ ينظِمَ البادِئُ ثلاثَ جُماناتٍ في عِقدِهِ. ثمّ تتدرّج الزّياداتُ منْ بعدِهِ. فيرَبّعُ ذو ميمَنَتِهِ في نظْمِهِ. ويُسبِّعُ صاحِبُ ميسرَتِهِ على رغْمِهِ. قال الرّاوي: وكنّا قدِ انتظَمْنا عِدّةَ أصابِعِ الكفّ. وتألّفْنا أُلفَةَ أصْحابِ الكهْفِ. فابْتَدَرَ لعِظَمِ محْنَتي. صاحبُ ميمَنَتي. وقال: لُمْ أخاً ملّ. وقال مُيامِنُهُ: كبّرْ رَجاءَ أجْرِ ربّكَ. وقال الذي يليهِ: منْ يَرُبّ إذا برّ ينْمُ. وقال الآخرُ: سكّتْ كلَّ منْ نمّ لك تكِسْ. وأفضَتِ النّوبَةُ إليّ. وقد تعيّنَ نظْمُ السّمْطِ السُباعيّ عليّ. فلمْ يزَلْ فِكري يصوغُ ويكْسِرُ. ويُثْري ويُعسِرُ. وفي ضِمْنِ ذلِك أستَطْعِمُ. فلا أجدُ منْ يُطعِمُ. إلى أن ركَدَ النّسيمُ. وحصْحَصَ التّسليمُ. فقلتُ لأصْحابي: لو حضَرَ السَّروجيّ هذا المَقامَ. لشَفى الدّاءَ العُقامَ. فقالوا: لو نزَلَتْ هذهِ بإياسٍ. لأمْسَكَ على ياسٍ. وجعلْنا نُفيضُ في استِصْعابِها. واستِغْلاقِ بابِها. وذلِك الزّوْرُ المُعتَري. يلحَظُنا لحْظَ المُزدَري. ويؤلّفُ الدُرَرَ ونحنُ لا ندْري. فلمّا عثَرَ على افتِضاحِنا. ونُضوبِ ضحْضاحِنا. قال: يا قومُ إنّ منَ العَناء العظيمِ. استيلادَ العَقيمِ. والاستِشْفاءَ بالسّقيمِ. وفوْقَ كلّ ذي عِلمٍ عليمٌ. ثمّ أقبَل عليّ وقال: سأنوبُ منابَكَ. وأكفيكَ ما نابَكَ. فإنْ شِئْتَ أن تنثُرَ. ولا تعثُرَ. فقُلْ مُخاطِباً لمَنْ ذمّ البُخْلَ. وأكثَرَ العذْلَ: لُذْ بكلّ مؤمّلٍ إذا لمّ وملَك بذَلَ. وإنْ أحببْتَ أن تنظِمَ. فقُلْ للذي تُعظِمُ:

أُسْ أرْمَلاً إذا عَـرا *** وارْعَ إذا المرءُ أسا

أسْنِدْ أخـا نَـبـاهَةٍ *** أبِنْ إخـاءً دَنـسـا

أُسْلُ جَنابَ غـاشِـمٍ *** مُشاغِبٍ إنْ جلَسـا

أُسْرُ إذا هبّ مِـراً *** وارْمِ بهِ إذا رَسـا

أُسْكُنْ تقَوَّ فعَـسـى *** يُسعِفُ وقْتٌ نكَسـا

قال: فلمّا سحرَنا بآياتِه. وحسرَنا ببُعْدِ غاياتِه. مدحْناهُ حتى استَعْفى. ومنحْناهُ إلى أنِ استَكْفى. ثمّ شمّرَ ثيابَهُ. وازدَفَرَ جِرابَهُ. ونهضَ يُنشِدُ:

للـهِ دَرُّ عِـصـابَةٍ *** صُدُقِ المَقالِ مَقاوِلا

فاقوا الأنامَ فضـائِلاً *** مأثورَةً وفواضِـلا

حاورْتُهم فوجَدتُ سحْـ *** باناً لديْهِـمْ بـاقِـلا

وحللْتُ فيهِمْ سـائِلاً *** فلَقيتُ جوداً سـائِلا

أقسَمْتُ لوْ كان الكِرا *** مُ حياً لكانوا وابِـلا

ثم خَطا قِيدَ رُمحَينِ. وعادَ مُستَعيذاً من الحَينِ. وقال: يا عِزّ مَنْ عدِمَ الآلَ. وكَنْزَ منْ سُلِبَ المالَ. إن الغاسِقَ قدْ وقَبَ. ووجْهَ المحجّةِ قدِ انتقَبَ. وبيْني وبينَ كِنّي ليلٌ دامِسٌ. وطريقٌ طامِسٌ. فهلْ منْ مِصباحٍ يؤْمِنُني العِثارَ. ويُبيّنُ ليَ الآثارَ؟ قال: فلمّا جِيء بالمُلتَمَسِ. وجلّى الوجوهَ ضوءُ القبَسِ. رأيتُ صاحِبَ صيْدِنا. هوَ أبو زيدِنا. فقلتُ لأصحابي: هذا الذي أشَرْتُ إلى أنهُ إذا نطَقَ أصابَ. وإنِ استُمْطِرَ صابَ. فأتلَعوا نحوَه الأعْناق. وأحدَقوا بهِ الأحْداقَ. وسألوهُ أنْ يُسامِرَهُمْ ليلَتَهُ. على أن يجْبِروا عَيلَتهُ. فقال: حُبّاً لِما أحبَبْتُمْ. ورُحْباً بكُمْ إذا رحّبْتُمْ. غيرَ أني قصدتُكُمْ وأطْفالي يتضوّرونَ منَ الجوعِ. ويدْعونَ لي بوشْكِ الرّجوعِ. وإنِ استَراثوني خامرَهُم الطّيشُ. ولمْ يصْفُ لهمُ العيشُ. فدَعوني لأذْهبَ فأسُدَّ مَخْمَصَتَهُمْ. وأُسيغَ غُصّتَهُمْ. ثمّ أنقَلِبَ إليكُمْ على الأثَرِ. متأهّباً للسّمَرِ. إلى السّحَرِ. فقُلْنا لأحدِ الغِلْمَةِ: اتّبِعْهُ إلى فئَتِه. ليكونَ أسرعَ لفَيْئَتِهِ. فانْطلَقَ معَهُ مضطَبِناً جِرابَه. ومُحَثْحِثاً إيابَه. فأبْطأ بُطْأَ جاوزَ حدّهُ. ثمّ عادَ الغُلامُ وحدَهُ. فقُلْنا له: ما عندَكَ من الحديث. عنِ الخبيثِ؟ فقال: أخذَ بي في طرُقٍ مُتعِبَةٍ. وسُبُلٍ متشعّبَةٍ. حتى أفضَيْنا إلى دُوَيْرَةٍ خرِبَةٍ. فقال: هاهُنا مُناخي. ووكْرُ أفْراخي. ثمّ استَفْتَحَ بابَهُ. واختلَجَ مني جِرابَهُ. وقال: لَعمْري لقدْ خفّفْتَ عني. واستوْجَبْتَ الحُسْنى مني. فهاكَ نصيحةً هيَ منْ نفائِسِ النّصائحِ. ومغارِسِ المصالِحِ. وأنشدَ:


إذا ما حوَيْتَ جنـى نـخـلَةٍ *** فلا تقْرُبَنْهـا إلـى قـابِـلِ

وإمّا سقَطْتَ عـلـى بـيْدَرٍ *** فحوْصِلْ من السُنبلِ الحاصِلِ

ولا تلبَثَنّ إذا مـا لـقَـطْـتَ *** فتَنشَبَ في كفّةِ الـحـابِـلِ

ولا توغِلَنّ إذا ما سـبـحْـتَ *** فإنّ السّلامةَ في السـاحِـلِ

وخاطبْ بهاتِ وجاوِبْ بسوْفَ *** وبِعْ آجِلاً منكَ بالـعـاجـلِ

ولا تُكثِرَنّ علـى صـاحـبٍ *** فما ملّ قطُّ سوى الواصِـلِ

ثم قال: اخزُنْها في تأمورِكَ. واقْتَدِ به في أمورِكَ. وبادِرْ إلى صحْبِكَ. في كِلاءةِ ربّكَ. فإذا بلَغْتَهُمْ فأبْلِغْهُمْ تحيّتي. واتْلُ عليْهِمْ وصيّتي. وقُلْ لهُمْ عنّي: إنّ السهَرَ في الخُرافاتِ. لَمِنْ أعظمِ الآفاتِ. ولستُ أُلْغي احتِراسي. ولا أجلُبُ الهوَسَ إلى راسي. قال الراوي: فلمّا وقفْنا على فحْوى شِعرِهِ. واطّلَعْنا على نُكْرِهِ ومكرِهِ. تلاوَمْنا على ترْكِهِ. والاغتِرارِ بإفْكِهِ. ثمّ تفرّقْنا بوجوهٍ باسِرَةٍ. وصفقَةٍ خاسِرةٍ.

المقامة المروية

:حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال


حُبّبَ إليّ مُذْ سعَتْ قدَمي. ونفَثَ قلَمي. أنْ أتّخِذَ الأدَبَ شِرْعَةً. والاقتِباسَ منهُ نُجْعَةً. فكُنتُ أنَقّبُ عنْ أخبارِهِ. وخزَنَةِ أسْرارِهِ. فإذا ألْفَيْتُ منهُمْ بُغيَةَ الملتَمِسِ. وجُذْوَةَ المُقتَبِسِ. شدَدْتُ يَدي بغَرْزِهِ. واستَنزَلْتُ منهُ زَكاةَ كنزِهِ. على أنّي لمْ ألْقَ كالسَّروجيّ في غَزارَةِ السُّحْبِ. ووضْعِ الهِناء مَواضِعَ النُّقْبِ. إلا أنهُ كانَ أسْيَرَ منَ المثَلِ. وأسرَعَ منَ القمَرِ في النُّقَلِ. وكنتُ لهَوى مُلاقاتِهِ. واستِحْسانِ مَقاماتِهِ. أرْغَبُ في الاغتِرابِ. وأستَعْذِبُ السّفَرَ الذي هوَ قِطعَةٌ من العَذابِ. فلمّا تطوّحْتُ إلى مرْوَ. ولا غَرْوَ. بشّرَني بمَلقاهُ زجْرُ الطّيرِ. والفألُ الذي هوَ بَريدُ الخيرِ. فلمْ أزَلْ أنشُدُهُ في المحافِلِ. وعندَ تلَقّي القَوافِلِ. فلا أجِدُ عنْهُ مُخبِراً. ولا أرى لهُ أثَراً ولا عِثْيَراً. حتى غلَبَ اليأسُ الطّمَعَ. وانْزَوى التّأميلُ وانْقمَعَ. فإني لَذاتَ يومٍ بحضْرَةِ والي مرْوَ. وكانَ ممّنْ جمَعَ الفضْلَ والسَّرْوَ. إذ طلَعَ أبو زيْدٍ في خلَقٍ مِمْلاقٍ. وخُلُقٍ مَلاّقٍ. فحَيّا تحيّةَ المُحْتاجِ. إذا لقِيَ ربَّ التّاجِ. ثمّ قالَ لهُ: اعْلَمْ وُقيتَ الذّمّ. وكُفيتَ الهَمّ. أنّ مَنْ عُذِقَتْ بهِ الأعْمالُ. أُعْلِقَتْ بهِ الأمالُ. ومَنْ رُفِعَتْ لهُ الدّرَجاتُ. رُفِعَتْ إليْهِ الحاجاتُ. وأنّ السّعيدَ منْ إذا قدَرَ. وواتاهُ القدَرُ. أدّى زكاةَ النِّعَمِ. كما يؤدّي زكاةَ النَّعَمِ. والتزَمَ لأهْلِ الحُرَمِ. ما يُلتزَمُ للأهْلِ والحرَمِ. وقد أصبحْتَ بحمدِ اللهِ عَميدَ مِصرِكَ. وعِمادَ عصْرِكَ. تُزْجى الرّكائِبُ إلى حرَمِكَ. وتُرْجى الرّغائِبُ منْ كرَمِكَ. وتُنزَلُ المَطالِبُ بساحَتِكَ. وتُستَنْزَلُ الرّاحةُ منْ راحَتِكَ. وكان فضلُ اللهِ عليْكَ عظيماً. وإحْسانُهُ لديْكَ عَميماً. ثمّ إني شيخٌ ترِبَ بعْدَ الإتْرابِ. وعدِمَ الإعْشابَ حينَ شابَ. قصَدْتُكَ منْ محَلّةٍ نازِحَةٍ. وحالَةٍ رازِحَةٍ. آمُلُ منْ بحرِكَ دُفعَةً. ومنْ جاهِكَ رِفعَةً. والتّأميلُ أفضَلُ وسائِلِ السائِلِ. ونائِلِ النّائِلِ. فأوْجِبْ لي ما يجِبُ عليْكَ. وأحسِنْ كما أحْسَنَ اللهُ إليْكَ. وإيّاكَ أن تلْويَ عِذارَكَ. عمَّنِ ازْدَراكَ. وأمَّ دارَكَ. أو تقبِضَ راحَكَ. عمّنِ امْتاحَكَ. وامْتارَ سَماحَكَ. فوَاللهِ ما مجَدَ مَنْ جمَدَ. ولا رشَدَ منْ حشَدَ. بلِ اللّبيبُ مَنْ إذا وجَدَ جادَ. وإنْ بَدأ بعائِدَةٍ عادَ. والكَريمُ منْ إذا استُوهِبَ الذّهَبَ. لمْ يهَبْ أنْ يهَبَ. ثمّ أمْسَكَ يرْقُبُ أُكُلَ غرْسِهِ. ويرْصُدُ مطيبَةَ نفْسِهِ. وأحَبَّ الوالي أنْ يعْلَمَ هلْ نُطفَتُهُ ثمَدٌ. أم لقَريحَتِهِ مدَدٌ. فأطْرَقَ يرَوّي في استيراء زَنْدِهِ. واستِشْفافِ فِرِنْدِهِ. والتَبَسَ على أبي زيدٍ سِرُّ صَمْتَتِهِ. وإرْجاءِ صِلَتِهِ. فتوَغّرَ غضَباً. وأنْشَدَ مُقتَضِباً:

لا تحقِرَنّ أبيْتَ الـلّـعـنَ ذا أدبٍ *** لأنْ بَدا خلَقَ السّرْبـالِ سُـروتـا

ولا تُضِعْ لأخي التّأميلِ حُرمـتَـهُ *** أكانَ ذا لسَنٍ أم كـان سِـكّـيتـا

وانفَحْ بعُرْفِكَ منْ وافاكَ مختَبطـاً *** وانعَشْ بغَوْثِكَ من ألفيتَ مَنكوتـا

فخَيرُ مالِ الفتى مـالٌ أشـادَ لـهُ *** ذِكْراً تناقَلَهُ الرُكبـانُ أو صِـيتـا

وما على المُشتَري حمْداً بمَوْهِـبَةٍ *** غبنٌ ولوْ كان ما أعْطاهُ ياقـوتـا

لوْلا المُروءةُ ضاقَ العُذْرُ عن فَطِنٍ *** إذا اشْرأبّ إلى ما جاوَزَ القـوتـا

لكنّهُ لابْتِناء المـجْـدِ جـدّ ومِـنْ *** حُبّ السّماحِ ثنَى نحوَ العُلى لِيتـا

وما تنشّقَ نشْرَ الشّكْـرِ ذو كـرَمٍ *** إلا وأزْرى بنَشرِ المِسكِ مَفتـوتـا

والحمدُ والبخلُ لم يُقضَ اجتماعهما *** حتى لقَدْ خيلَ ذا ضَبّاً وذا حـوتَـا

والسّمحُ في الناسِ محبوبٌ خلائِقُهُ *** والجامدُ الكفّ ما ينْفَكّ ممْقـوتـا

وللشّحيحِ على أمْـوالِـهِ عـلَـلٌ *** يوسِعْنَهُ أبَـداً ذمّـاً وتـبْـكـيتـا

فجُدْ بما جمَعتْ كفّاكَ من نشَـبٍ *** حتى يُرَى مُجْتَدي جَدواكَ مَبهوتا

وخُذْ نصيبَكَ منـهُ قـبـلَ رائِعَةٍ *** من الزّمانِ تُريكَ العودَ منحوتـا

فالدّهْرُ أنكَدُ من أن تستَمـرّ بـهِ *** حالٌ تكرّهْتَ تلكَ الحالَ أم شيتا

فقال لهُ الوالي: تاللهِ لقدْ أحسَنْتَ. فأيُّ ولَدِ الرّجُلِ أنتَ؟ فنظَرَ إليْهِ عنْ عُرْضٍ. وأنشَدَ وهُوَ مُغْضٍ:

لا تسْألِ المرْءَ مَنْ أبوهُ ورُزْ *** خلالَهُ ثمّ صِلْهُ أو فاصْـرِمِ

فما يَشينُ السُّلافَ حينَ حَلا *** مَذاقُها كونُها ابنَةَ الحِصْرِمِ

قال: فقرّبَهُ الوالي لبَيانِهِ الفاتِنِ. حتى أحلّهُ مقْعَدَ الخاتِنِ. ثمّ فرَضَ له من سُيوبِ نيْلِهِ. ما آذنَ بطولِ ذَيلِهِ. وقِصَرِ لَيلِهِ. فنهَضَ عنْهُ برُدْنٍ مَلآنَ. وقلْبٍ جذْلانَ. وتبِعْتُهُ حاذِياً حَذْوَهُ. وقافِياً خَطْوَهُ. حتى إذا خرَجَ منْ بابِهِ. وفصَلَ عنْ غابِهِ. قُلتُ لهُ: هُنّئْتَ بِما أوتيتَ. ومُلّيتَ بِما أُوليتَ! فأسْفَرَ وجهُهُ وتَلالا. ووالى شُكْراً للهِ تَعالى. ثمّ خطَرَ اخْتِيالاً. وأنشدَ ارتِجالاً:

منْ يكُنْ نالَ بالحَماقَةِ حَظّـاً *** أو سَما قدرُهُ لِطيبِ الأصولِ

فبِفَضْلي انتَفَعْتُ لا بفُضولي *** وبقَوْلي ارتفَعْتُ لا بقُيولـي

ثم قال: تَعْساً لمَنْ جدَبَ الأدَبَ. وطوبى لمَنْ جدّ فيهِ ودأبَ! ثمّ ودّعَني وذهَبَ. وأوْدَعَني اللَّهَبَ.

المقامة المراغية

رَوى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قالَ:

حضَرْتُ ديوانَ النّظرِ بالمَراغَةِ. وقدْ جَرى بهِ ذكْرُ البَلاغَةِ. فأجمَعَ مَنْ حضَرَ منْ فُرْسانِ اليَراعَةِ. وأرْبابِ البَراعةِ. على أنّهُ لمْ يبْقَ مَنْ يُنقّحُ الإنْشاءَ. ويتصرّفُ فيهِ كيفَ شاءَ. ولا خلَفَ. بعْدَ السّلَفِ. مَنْ يبتَدِعُ طريقةً غَرّاء. أو يفتَرِعُ رسالةً عذْراءَ. وأنّ المُفلِقَ من كُتّابِ هذا الأوانِ. المُتمكّنَ من أزِمّةِ البَيانِ. كالعِيالِ على الأوائِلِ. ولو ملَكَ فَصاحَةَ سحْبانِ وائِلٍ. وكان بالمجْلِسِ كهْلٌ جالِسٌ في الحاشيةِ. عندَ مَواقِفِ الحاشِيَةِ. فكانَ كلّما شطّ القوْمُ في شوْطِهِمْ. ونشَروا العَجْوَةَ والنّجْوَةَ منْ نوْطِهِمْ. يُنْبئ تَخازُرُ طرْفِهِ. وتشامُخُ أنفِهِ. أنّهُ مُخْرَنْبِقٌ ليَنْباعَ. ومُجْرَمِّزٌ سيَمُدّ الباعَ. ونابِضٌ يبْري النِّبالَ. ورابِضٌ يبْغي النّضالَ. فلمّا نُثِلَتِ الكَنائِنُ. وفاءتِ السّكائِنُ. وركَدَتِ الزّعازعُ. وكفّ المُنازِعُ. وسكنَتِ الزّماجِرُ. وسكتَ المزْجورُ والزّاجِرُ. أقبَلَ على الجَماعَةِ وقال: لقَدْ جئْتُمْ شيْئاً إدّاً. وجُرْتُمْ عنِ القصْدِ جِدّاً. وعظّمتُمُ العِظامَ الرُّفاتَ. وافْتَتُّمْ في المَيْلِ إلى مَنْ فات، وغمصتم جيلكم الذين فيهم لكم اللذت، معهم انعَقَدَتِ المودّاتُ. أنَسيتُمْ يا جَهابِذَةَ النّقْدِ. ومَوابِذَةَ الحَلّ والعَقْدِ. ما أبْرَزَتْهُ طَوارِفُ القَرائِحِ. وبرّزَ فيهِ الجذَعُ على القارِحِ. منَ العِباراتِ المهَدَّبَةِ. والاستِعاراتِ المُستَعْذَبَةِ. والرّسائِلِ الموشّحَةِ. والأساجيعِ المُستَمْلَحَةِ؟ وهلْ للقُدَماء إذا أنعَمَ النّظَرَ. مَنْ حضَرَ. غيرُ المَعاني المطْروقَةِ المَوارِدِ. المعْقولَةِ الشّوارِدِ. المأثورَةِ عنهُمْ لتَقادُمِ المَوالِدِ. لا لتقدُّمِ الصّادِرِ على الوارِدِ؟ وإني لأعْرِفُ الآنَ مَنْ إذا أنْشا. وشّى. وإذا عبّرَ. حبّرَ. وإنْ أسهَبَ. أذْهَبَ. وإذا أوْجَزَ. أعْجَزَ. وإنْ بَدَهَ. شدَهَ. ومتى اخْتَرَعَ. خرَعَ. فقالَ لهُ ناظورَةُ الدّيوانِ. وعينُ أولَئِكَ الأعْيانِ: مَنْ قارِعُ هذِهِ الصّفاةِ. وقَريعُ هذِهِ الصّفاتِ؟ فقال: إنّه قِرْنُ مَجالِكَ. وقَرينُ جِدالِكَ. وإذا شِئْتَ ذاكَ فرُضْ نَجيباً. وادْعُ مُجيباً. لتَرى عَجيباً. فقال لهُ: يا هَذا إنّ البُغاثَ بأرضِنا لا يَستَنْسِرُ. والتّمييزَ عندَنا بينَ الفِضّةِ والقضة متيَسِّرٌ. وقَلَّ منِ استَهدَفَ للنّضالِ. فخلّصَ منَ الدّاء العُضالِ. أوِ استَسارَ نقْعَ الامْتِحانِ. فلمْ يُقْذَ بالامتِهانِ. فلا تُعرِّضْ عِرْضَكَ للمَفاضِحِ. ولا تُعْرِضْ عنْ نَصاحَةِ النّاصِحِ. فقال: كُلُّ امرِئٍ أعْرَفُ بوسْمِ قِدْحِهِ. وسيَتَفرّى الليلُ عنْ صُبْحِهِ. فتَناجَتِ الجَماعَةُ فيما يُسْبَرُ بهِ قُلَيْبُهُ. ويُعْمَدُ فيهِ تقْليبُهُ. فقال أحدُهُمْ: ذَرُوهُ في حِصّتي. لأرْميَهُ بحَجَرِ قِصّتي. فإنّها عُضْلَةُ العُقَدِ. ومِحَكُّ المُنْتَقَدِ. فقلّدوهُ في هذا الأمْرِ الزّعامَةَ. تقْليدَ الخوارِجِ أبا نَعامَةَ. فأقْبَلَ على الكهْلِ وقالَ: اعْلَمْ أني أُوالي. هذا الوالي. وأُرَقّحُ حالي. بالبَيانِ الحالي. وكُنْتُ أستَعينُ على تقْويمِ أوَدي. في بلَدي. بسَعَةِ ذاتِ يَدي. معَ قِلّةِ عدَدي. فلمّا ثَقُلَ حاذي. ونفِدَ رَذاذي. أمّمْتُهُ منْ أرْجائي. برَجائي. ودعوْتُهُ لإعادَةِ رُوائي وإرْوائي. فهَشّ للوِفادَةِ وراحَ. وغَدا بالإفادَةِ وراحَ. فلمّا استأذَنْتُهُ في المَراحِ. إلى المُراحِ. على كاهِلِ المِراحِ. قال: قدْ أزْمَعْتُ أنْ لا أزوّدَكَ بَتاتاً. ولا أجْمعَ لكَ شَتاتاً. أو تُنْشِئَ لي أمامَ ارتِحالِكَ. رِسالَةً تودِعُها شرْحَ حالِكَ. حُروفُ إحْدى كلِمتَيْها يعُمّها النَّقْطُ. وحُروفُ الأخْرى لمْ يُعْجَمْنَ قطّ. وقدِ استأنَيْتُ بَياني حَوْلاً. فَما أحارَ قوْلاً. ونَبَهْتُ فِكْري سَنَةً. فما ازْدادَ إلا سِنَةً. واستَعَنْتُ بقاطِبَةِ الكُتّابِ. فكلٌ منْهُمْ قطّبَ وتابَ. فإنْ كُنتَ صدَعْتَ عنْ وصْفِكَ باليَقينِ. فأتِ بآيَةٍ إنْ كُنتَ منَ الصّادِقين. فقال لهُ: لقَدِ استَسْعَيْتَ يَعْبوباً. واستَسْقَيْتَ أُسْكوباً. وأعطَيْتَ القوْسَ بارِيَها. أسْكَنْتَ الدّارَ ثانِيَها. ثمّ فكّرَ ريثَما اسْتَجَمّ قريحَتَهُ. واستَدَرّ لَقْحَتَهُ. وقالَ: ألْقِ دَواتَكَ واقْرُبْ. وخُذْ أداتَكَ واكتُبْ:اسْتَجَمّ قريحَتَهُ. واستَدَرّ لَقْحَتَهُ. وقالَ: ألْقِ دَواتَكَ واقْرُبْ. وخُذْ أداتَكَ واكتُبْ: الكرَمُ ثبّتَ اللهُ جيْشَ سُعودِكَ يَزينُ. واللّؤمُ غَضّ الدّهرُ جَفْنَ حَسودِكَ يَشينُ. والأرْوَعُ يُثيبُ. والمُعْوِرُ يَخيبُ. والحُلاحِلُ يُضيفُ. والماحِلُ يُخيفُ. والسّمْحُ يُغْذي. والمَحْكُ يُقذي. والعطاء ينجي والمطال يشجي، والدعاء يفي والمدح ينقي والحُرُّ يَجْزي. والإلْطاطُ يُخْزي. واطّراحُ ذي الحُرْمَةِ غَيٌ. ومَحْرَمَةُ بَني الآمالِ بغْيٌ. وما ضنّ إلا غَبينٌ. ولا غُبِنَ إلا ضَنينٌ. ولا خزَنَ إلا شَقيٌ. ولا قبَضَ راحَهُ تقيٌ. وما فتئ وعدُك يَفي. وآراؤكَ تَشْفي. وهِلالُكَ يُضي. وحِلْمُك يُغْضي. وآلاؤكَ تُغْني. وأعداؤكَ تُثْني. وحُسامُك يُفْني. وسؤدَدُكَ يُقْني. ومُواصِلُكَ يجْتَني. ومادِحُك يقْتَني. وسماحُكَ يُغيثُ. وسماؤكَ تَغيثُ. ودرُّكَ يَفيضُ. وردُّكَ يَغيضُ. ومؤمِّلُكَ شيْخٌ حَكاهُ فَيْءٌ. ولمْ يبْقَ لهُ شيءٌ. أمّكَ بظَنٍ حِرصُهُ يثِبُ. ومدَحَكَ بنُخَبٍ. مُهورُها تجِبُ. ومَرامُهُ يخِفُّ. وأواصِرُهُ تشِفُّ. وإطْراؤهُ يُجْتَذَبُ. وملامُهُ يُجتَنَبُ. وورَاءهُ ضَفَفٌ. مَسّهُمْ شظَفٌ. وحصّهُمْ جنَفٌ. وعمّهُمْ قشَفٌ. وهوَ في دمْعٍ يُجيبُ. وولَهٍ يُذيبُ. وهَمٍّ تَضيّفَ. وكمَدٍ نيّفَ. لمأمولٍ خيّبَ. وإهْمالٍ شيّبَ. وعدوٍّ نَيّبَ. وهُدُوٍّ تغيّبَ. ولمْ يزِغْ ودُّهُ فيغْضَبَ. ولا خَبُثَ عودُهُ فيُقْضَبَ. ولا نفَثَ صدْرُهُ فيُنْفَضَ. ولا نشَزَ وصْلُهُ فيُبْغَضَ. وما يقْتَضي كرَمُكَ نبْذَ حُرَمِهِ. فبيِّضْ أمَلَهُ بتَخْفيفِ ألَمِهِ. ينُثّ حمدَكَ بينَ عالَمِهِ. بقيتَ لإماطَةِ شجَبٍ. وإعْطاءِ نشَبٍ. ومُداواةِ شجَنٍ. ومُراعاةِ يفَنٍ. موصولاً بخَفْضٍ. وسُرورٍ غَضٍّ. ما غُشِيَ معْهَدُ غنيٍّ. أو خُشِيَ وهْمُ غبيٍّ. والسّلامُ. فلمّا فرَغَ منْ إمْلاءِ رِسالَتِهِ. وجلّى في هَيْجاء البَلاغَةِ عنْ بَسالَتِهِ. أرضَتْهُ الجماعَةُ فِعْلاً وقوْلاً. وأوْسَعَتْهُ حَفاوَةً وطَوْلاً. ثمّ سُئِلَ منْ أيّ الشّعوبِ نِجارُهُ. وفي أيّ الشِّعابِ وِجارُهُ؟ فقال:

غسّانُ أُسرَتيَ الصّـمـيمَـهْ *** وسُروجُ تُرْبَتي القَـديمَـهْ

فالبَيتُ مثلُ الـشّـمْـسِ إشْـ *** راقاً ومنـزِلَةً جـسـيمَـهْ

والرّبْعُ كالـفِـرْدَوْسِ مـطْ *** يَبَةً ومَـنْـزَهَةً وقـيمَـهْ

واهـاً لـعـيْشٍ كـانَ لـي *** فيهـا ولـذّآتٍ عَـمـيمَـهْ

أيّامَ أسْحَـبُ مُـطْـرَفـي *** في روضِها ماضي العَزيمَهْ

أخْتالُ فـي بُـردِ الـشّـبـا *** بِ وأجْتَلي النِّعَمَ الوَسيمَـهْ

لا أتّـقـي نُـوَبَ الـزّمـا *** نِ ولا حَوادِثَهُ المُـلـيمَـهْ

فلوَ انّ كـرْبـاً مُـتْـلِـفٌ *** لَتَلِفْتُ منْ كُرَبي المُقـيمَـهْ

أو يُفْتَدَى عـيْشٌ مـضـى *** لفدَتْهُ مُهجَتيَ الـكَـريمَـهْ

فالموْتُ خـيرٌ لـلـفـتـى *** منْ عيشِهِ عيْشَ البَهـيمَـهْ

تقْـتـادُهُ بُـرَةُ الـصَّـغـا *** رِ إلى العظيمَةِ والهضيمَـهْ

ويرَى السّباعَ تَـنـوشُـهـا *** أيْدي الضّباعِ المُستَضيمَـهْ

والـذّئبُ لــلأيّامِ لـــوْ *** لا شُؤمُها لمْ تنْبُ شـيمَـهْ

ولوِ استَقامَـتْ كـانـتِ الـ *** أحوالُ فيها مُسـتَـقـيمَـهْ



ثمّ إنّ خبَرَه نَما إلى الوالي. فمَلأ فاهُ باللآلي. وسامَهُ أن ينضَويَ إلى أحشائِهِ. ويَليَ ديوانَ إنْشائِهِ. فأحْسَبَهُ الحِباءُ. وظلَفَهُ عنِ الوِلايَةِ الإباءُ. قال الراوي: وكُنتُ عرَفْتُ عُودَ شجَرَتِه. قبلَ إيناعِ ثمرَتِهِ. وكِدْتُ أنبّهُ على عُلوّ قدْرِهِ. قبلَ استِنارَةِ بدْرِهِ. فأوْحى إليّ بإيماضِ جفْنِهِ. أن لا أجرِّدَ عضْبَهُ منْ جفْنِهِ. فلمّا خرَجَ بَطينَ الخُرْجِ. وفصَلَ فائِزاً بالفُلْجِ. شيّعْتُهُ قاضِياً حقّ الرّعايَةِ. ولاحِياً لهُ على رفْضِ الوِلايَةِ. فأعْرَضَ مُتَبَسّماً. وأنْشَدَ مترنّماً:


لَجَوْبُ البِلادِ معَ المَتْرَبَـهْ *** أحَبُّ إليّ منَ المرْتَـبَـهْ

لأنّ الوُلاةَ لـهُـمْ نَـبـوَةٌ *** ومعْتَبَةٌ يا لَها مَعْـتَـبَـهْ

ومافيهمِ مَنْ يرُبُّ الصّنيعَ *** ولا مَنْ يُشيِّدُ ما رتّـبَـهْ

فلا يخدَعنْكَ لَموعُ السّرابِ *** ولا تأتِ أمْراً إذا ما اشْتبَهْ

فكَمْ حالِمٍ سرّهُ حُـلْـمُـهُ *** وأدرَكَهُ الرّوْعُ لمّا انْتبَـهْ

Thursday, September 30, 2010

المقامة الكرجيةv

:حكَى الحارثُ بنُ همّامٍ قال

شتَوْتُ بالكَرَجِ لدَينٍ أقتَضيهِ. وأرَبٍ أقْضيهِ. فبلَوْتُ منْ شِتائِها الكالِحِ. وصِرّها النّافِحِ. ما عرّفَني جَهْدَ البَلاء. وعكَفَ بي على الاصْطِلاء. فلمْ أكُنْ أُزايلُ وِجاري. ولا مُستَوْقَدَ ناري. إلا لضَرورَةٍ أُدفَعُ إليْها. أو إقامةِ جماعةٍ أحافِظُ عليه. فاضطُررْتُ في يومٍ جَوُّهُ مُزْمَهِرٌّ. ودَجْنُهُ مكفَهِرٌّ. إلى أن برَزْتُ منْ كِناني. لمُهِمٍّ عَناني. فإذا شيخٌ عاري الجِلدَةِ. بادي الجُردَةِ. وقدِ اعتَمّ برَيْطَةٍ. واستَثْفَر بفُوَيطَةٍ. وحوالَيهِ جمْعٌ كَثيفُ الحواشي. وهو يُنشِدُ ولا يُحاشي:


يا قومِ لا يُنبِئكُـمُ عـن فَـقـري *** أصْدَقُ من عُرْيي أوانَ الـقُـرِّ

فاعتَبِروا بِما بَـدا مـنْ ضُـرّي *** باطِنَ حالي وخَـفِـيَّ أمْـري

وحاذِروا انقِلابَ سِلْـمِ الـدهْـرِ *** فإنني كُنـتُ نَـبـيهَ الـقـدْرِ

آوي إلى وَفْـرٍ وحـدٍّ يَفْـري *** تُفيدُ صُفري وتُبـيدُ سُـمْـري

وتشتَكي كُومـي غَـداةَ أقْـري *** فجرّدَ الدّهرُ سُـيوفَ الـغـدْرِ

وشَنّ غاراتِ الرّزايا الـغُـبْـرِ *** ولمْ يزَلْ يسْحَـتُـنـي ويَبْـري

حتى عفَتْ داري وغـاضَ دَرّي *** وبارَ سِعْري في الوَرى وشِعْري

وصِرْتُ نِضْوَ فـاقَةٍ وعُـسْـرِ *** عاري المَطا مجرَّداً من قِشْري

كأنّني المِغزَلُ في الـتّـعـرّي *** لا دِفْءَ لي في الصِّنّ والصِّنَّبْرِ

غيرُ التّضحّي واصْطِلاءِ الجمْرِ *** فهلْ خِضَمٌ ذو رِداءٍ غَـمْـرِ

يستُرُني بمُطرَفٍ أو طِـمْـرِ *** طِلابَ وجهِ اللهِ لا لشُـكْـري

ثم قال: يا أرْبابَ الثّراء. الرّافِلينَ في الفِراء. مَنْ أوتيَ خيراً فليُنْفِقْ. ومنِ استَطاعَ أن يُرفِقْ فليُرْفِقْ. فإنّ الدُنْيا غَدورٌ. والدهرَ عَثورٌ. والمُكنَةَ زَورَةُ طيْفٍ. والفُرصَةُ مُزنَةُ صيفٍ. وإني واللهِ لَطالَما تلقّيتُ الشّتاءَ بكافاتِهِ. وأعدَدْتُ الأُهَبَ لهُ قبل مُوافاتِهِ. وها أنا اليومَ يا سادَتي. ساعِدي وِسادَتي. وجِلْدَتي بُرْدَتي. وحَفْنَتي جَفنَتي. فليَعتَبِرِ العاقِلُ بحالي. ولْيُبادِرْ صرْفَ اللّيالي. فإنّ السّعيدَ منِ التّعظَ بسِواهُ. واستَعدّ لمسْراهُ. فقيلَ لهُ: قد جلَوْتَ علَينا أدبَكَ. فاجْلُ لنا نسبَكَ. فقال: تبّاً لمُفتَخِرٍ. بعَظْمٍ نخِرٍ! إنّما الفخْرُ بالتُّقى. والأدَبِ المُنتَقى. ثم أنشدَ:


لعَمرُكَ ما الإنسانُ إلا ابنُ يومِه *** على ما تجلّى يومُهُ لا ابنُ أمسِهِ

وما الفخرُ بالعظْمِ الرّميمِ وإنّمـا *** فَخارُ الذي يبغي الفخارَ بنفسِـهِ

ثمّ إنّهُ جلسَ مُحقَوقِفاً. واجْرَنثَمَ مُقَفقِفاً. وقال: اللهُمّ يا مَنْ غمرَ بنوالِهِ. وأمرَ بسؤالِهِ. صلِّ على محمدٍ وآلهِ. وأعِنّي على البَرْدِ وأهْوالِهِ. وأتِحْ لي حُرّاً يؤثِرُ منْ خَصاصَةٍ. ويؤاسي ولوْ بقُصاصَةٍ. قال الراوي: فلمّا جلّى عنِ النّفْسِ العِصاميّةِ. والمُلَحِ الأصمعيّةِ. جعلَتْ ملامِحُ عيني تَعجُمُهُ. ومَرامي لحْظي تَرجُمُه. حتى استَبَنْتُ أنهُ أبو زيدٍ. وأنّ تعرّيَهُ أُحبولَةُ صيدٍ. ولمحَ هوَ أنّ عِرْفاني قد أدْركَهُ. ولمْ يأمَنْ أنْ يهتِكَهُ. فقال: أُقسِمُ بالسَّمَرِ والقمَرِ. والزُّهْرِ والزَّهَرِ. إنهُ لنْ يستُرَني إلا مَنْ طابَ خِيمُهُ. وأُشرِبَ ماءَ المُروءةِ أديمُهُ. فعقَلْتُ ما عَناهُ. وإنْ لم يدْرِ القومُ معْناهُ. وساءني ما يُعانِيهِ منَ الرِّعدَةِ. واقشِعْرارِ الجِلْدَةِ. فعمَدْتُ لفَرْوةٍ هيَ بالنّهارِ رِياشي. وفي الليلِ فِراشي. فنضَوتُها عني. وقلتُ له: اقْبَلْها مني. فما كذّبَ أنِ افْتَراها. وعيني تَراها. ثم أنشدَ:


للهِ من ألبَـسَـنـي فَـروةً *** أضحتْ من الرِّعدَةِ لي جُنّهْ

ألبَسنِيها واقِياً مُـهـجَـتـي *** وُقّيَ شرَّ الإنْسِ والجِـنّـهْ

سيَكتَسي اليومَ ثَنـائي وفـي *** غدٍ سيُكسى سُندُسَ الجَنّـهْ

قال: فلمّا فتَن قُلوبَ الجَماعَةِ. بافتِنانِهِ في البَراعَةِ. ألقَوْا عليْهِ منَ الفِراء المُغشّاةِ. والجِبابِ المُوشّاةِ. ما آدَهُ ثقَلُهُ. ولم يكَدْ يُقلّهُ. فانطلقَ مُستَبشِراً بالفَرجِ. مُستَسقِياً للكَرَجِ. وتبعْتُهُ إلى حيثُ ارتفَعَتِ التّقيّةُ. وبدَتِ السّماءُ نقيّةً. فقلتُ له: لَشَدّ ما قرّسَكَ البرْدُ. فلا تتعرّ منْ بعْدُ! فقال: ويْكَ ليسَ منَ العدْلِ. سُرعةُ العذْلِ! فلا تعْجَلْ بلَوْمٍ هوَ ظُلْمٌ. ولا تقْفُ ما ليْسَ لكَ بهِ عِلمٌ. فوَالّذي نوّرَ الشّيبَةَ. وطيّبَ تُربَةَ طَيْبَةَ. لو لمْ أتَعرّ لرُحْتُ بالخَيبَةِ. وصفَرِ العَيبَةِ. ثمّ نزَعَ إلى الفِرارِ. وتبرقَعَ بالاكْفِهْرارِ. وقال: أمَا تعْلَمُ أنّ شِنْشِنتيَ الانتِقالُ منْ صَيدٍ إلى صيْدٍ. والانعِطافُ منْ عمْرٍو إلى زيدٍ؟ وأراكَ قد عُقتَني وعقَقْتَني. وأفَتّني أضْعافَ ما أفدْتَني. فأعْفِني عافاكَ الله منْ لغوِكَ. واسْدُدْ دوني بابَ جِدّكَ ولهْوِكَ. فجبذتُهُ جبْذَ التِّلْعابَةِ. وجعْجَعْتُ به للدُعابَةِ. وقلتُ له: واللهِ لوْ لمْ أُوارِكَ. وأُغَطِّ على عَوارِكَ. لمَما وصلْتَ إلى صِلةٍ. ولا انقلَبْتَ أكْسى منْ بصَلَةٍ. فجازِني عنْ إحساني إليْكَ. وسَتري لكَ وعلَيْكَ. بإن تسمَحَ لي بردّ الفَروَةِ. أو تُعرّفَني كافاتِ الشّتوَةِ. فنظرَ إليّ نظَرَ المتعجّبِ. وازْمهَرّ ازمِهْرارَ المتغَضّبِ. ثمّ قال: أمّا رَدّ الفَروةِ فأبْعَدُ منْ ردّ أمسِ الدّابِرِ. والمَيْتِ الغابِرِ. وأما كافاتُ الشّتْوةِ فسُبحانَ مَنْ طبَع على ذِهنِكَ. وأوْهى وِعاءَ خَزْنِكَ. حتى أُنسيتَ ما أنشدْتُكَ بالدَّسْكَرةِ. لابنِ سُكّرَةَ:


جاء الشتاءُ وعِندي منْ حوائِجِـه *** سبْعٌ إذا القطْرُ عن حاجاتِنا حبَسا

كِنٌّ وكِيسٌ وكانونٌ وكاسُ طِـلاً *** بعْدَ الكَبابِ وكفٌ ناعمٌ وكِـسـا

ثم قال: لَجوابٌ يَشفي. خيرٌ من جِلبابٍ يُدْفي. فاكْتَفِ بما وعَيْتَ وانْكَفي. ففارَقْتُهُ وقدْ ذهبَتْ فَروَتي لشِقْوَتي. وحصلْتُ على الرِّعدَةِ طولَ شَتْوَتي.

المقامة القهقرية

:حدّث الحارثُ بنُ همّام قال

لحظْتُ في بعضِ مطارِحِ البَينِ. ومطامِحِ العينِ. فِتيَةً عليهِمْ سِيما الحِجى. وطُلاوَةُ نُجومِ الدُجى. وهمْ في مُماراةٍ مشتَدّةِ الهُبوبِ. ومُباراةٍ مشتطّةِ الأُلْهوبِ. فهزّني لقَصْدِهمْ هوى المُحاضرَةِ. واستِحْلاءُ جنى المُناظرةِ. فلمّا التحقْتُ برهْطِهِمْ. وانتظمْتُ في سِمْطِهمْ. قالوا: أأنتَ ممّنْ يُبْلى في الهَيْجاء. ويُلْقي دَلْوَهُ في الدِّلاء؟ فقلت: بل أنا منْ نظّارَةِ الحرْبِ. لا منْ أبناء الطّعْنِ والضّرْبِ. فأضْرَبوا عن حِجاجي. وأفاضوا في التّحاجي. وكانَ في بحبوحةِ حلْقَتِهِمْ. وإكْليلِ رُفقَتِهِمْ. شيخٌ قد برَتْهُ الهُمومُ. ولوّحَتْهُ السَّمومُ. حتى عادَ أنْحلَ. منْ قلَمٍ وأقْحلَ منْ جلَمٍ. إلا أنهُ كان يُبدي العُجابَ. إذا أجابَ. ويُنْسي سحْبانَ. كلّما أبانَ. فأُعجِبْتُ بما أوتيَ من الإصابَةِ. والتّبريزِ على تلكَ العِصابةِ. وما زالَ يفضَحُ كلَّ مُعمًّى. ويُصْمي في كلّ مرْمًى. إلى أن خلَتِ الجِعابُ. ونفِدَ السّؤالُ والجوابُ. فلما رأى إنْفاضَ القوْمِ. واضْطِرارَهُمْ إلى الصّومِ. عرّضَ بالمُطارَحَةِ. واستأذنَ في المُفاتَحةِ. فقالوا له: حبّذا. ومنْ لنا بِذا؟ فقال: أتعرِفونَ رِسالةً أرْضُها سماؤها. وصُبحُها مساؤها؟ نُسِجَتْ على مِنوالَينِ. وتجلّتْ في لوْنَينِ. وصلّتْ إلى جِهَتَينِ. وبدتْ ذات وجهَينِ. إنْ بزغَتْ منْ مشرِقِها. فناهيكَ برَونَقِها. وإنْ طلعَتْ منْ مغرِبِها. فَيا لعَجَبِها! قال: فكأنّ القومَ رُموا بالصُّماتِ. أو حقّتْ عليهِمْ كلمةُ الإنْصاتِ. فما نبَسَ منهُمْ إنسانٌ. ولا فاهَ لأحدِهِمْ لِسانٌ. فحينَ رآهُم بُكْماً كالأنْعامِ. وصُموتاً كالأصْنامِ. قال لهُمْ: قدْ أجّلتُكُمْ أجَلَ العِدّةِ. وأرخَيت لكُمْ طِوَلَ المُدّةِ. ثم هاهُنا مجمَعُ الشّمْلِ. وموقِفُ الفصْلِ. فإنْ سمحَتْ خواطرُكُمْ مدَحْنا. وإنْ صلدَتْ زِنادُكُمْ قدَحْنا. فقالوا لهُ: واللهِ ما لَنا في لُجّةِ هذا البحرِ مسبَحٌ. ولا في ساحِلِهِ مسرَحٌ. فأرِحْ أفكارَنا منَ الكدّ. وهنّئِ العطيّةَ بالنّقْدِ. واتّخِذْنا إخواناً يثِبونَ إذا وثَبْتَ. ويُثيبونَ متى استَثَبْتَ. فأطْرَقَ ساعةً. ثمّ قال: سمْعاً لكُمْ وطاعةً! فاستَمْلوا مني. وانْقُلوا عني: الإنسانُ. صَنيعةُ الإحسانِ. وربُّ الجَميلِ. فِعْلُ النّدْبِ. وشيمَةُ الحُرّ. ذخيرَةُ الحمْدِ. وكسْبُ الشُكْرِ. استِثْمارُ السّعادةِ. وعُنوانُ الكرَمِ. تباشيرُ البِشْرِ. واستِعْمالُ المُداراةِ يوجِبُ المُصافاةَ. وعقْدُ المحبّةِ يقتَضي النُصْحَ. وصِدْقُ الحديثِ. حِليةُ اللّسانِ. وفصاحَةُ المنطِقِ. سحرُ الألْبابِ. وشرَكُ الهوى. آفَةُ النّفوسِ. وملَلُ الخلائقِ. شَينُ الخلائقِ. وسوءُ الطّمعِ. يُبايِنُ الورَعَ. والتِزامُ الحَزامَةِ. زِمامُ السّلامَةِ. وتطلُّبُ المثالِبِ. شرُّ المَعايِبِ. وتتبُّعُ العثَراتِ. يُدْحِضُ المودّاتِ. وخُلوصُ النيّةِ. خُلاصةُ العطيّةِ. وتهنئةُ النّوالِ. ثمَنُ السّؤالِ. وتكلُّفُ الكُلَفِ. يسهِّلُ الخَلَفَ. وتيقُّنُ المَعونَةِ. يُسَنّي المؤونَةَ. وفضْلُ الصّدْرِ. سعَةُ الصّدرِ. وزينَةُ الرُعاةِ. مقْتُ السُعاةِ. وجَزاءُ المدائِحِ. بثُّ المَنائِحِ. ومهْرُ الوسائِلِ. تشفيعُ المسائِلِ. ومجلَبَةُ الغَوايةِ. استِغْراقُ الغايةِ. وتجاوزُ الحدّ. يُكِلّ الحدَّ. وتعدّي الأدَبِ. يُحبِطُ القُرَبَ. وتناسي الحُقوقِ. يُنشِئُ العُقوقَ. وتحاشي الرِّيَبِ. يرفَعُ الرُتَبَ. وارتِفاعُ الأخطارِ. باقتِحامِ الأخطارِ. وتنوّهُ الأقْدارِ. بمؤاتاةِ الأقْدارِ. وشرَفُ الأعْمالِ. في تقْصيرِ الآمالِ. وإطالةُ الفِكرَةِ. تنقيحُ الحِكمَةِ. ورأسُ الرّئاسةِ. تهذُّبُ السّياسَةِ. ومع اللّجاجَةِ. تُلْغى الحاجةُ. وعندَ الأوْجالِ. تتفاضَلُ الرّجالُ. وبتفاضُلِ الهِمَمِ. تتفاوتُ القِيَمُ. وبتزيُّدِ السّفيرِ. يهِنُ التّدبيرُ. وبخلَلِ الأحوالِ. تتبيّنُ الأهْوالُ. وبموجَبِ الصّبرِ. ثمَرَةُ النّصْرِ. واستِحقاقُ الإحْمادِ. بحسَبِ الاجْتِهادِ. ووجوبُ المُلاحظَةِ. كِفاءُ المُحافظَةِ. وصفاءُ الموالي. بتعهُّدِ المَوالي. وتحلّي المُروءاتِ. بحِفْظِ الأماناتِ. واختِبارُ الإخْوانِ. بتخْفيفِ الأحْزانِ. ودفْعُ الأعْداء. بكفّ الأودّاء.

وامتِحانُ العُقَلاء. بمُقارَنَةِ الجُهَلاء. وتبصُّرُ العَواقِبِ. يؤمنُ المَعاطِبَ. واتّقاءُ الشُنْعَةِ. ينشُرُ السُمْعَةَ. وقُبْحُ الجَفاء. يُنافي الوَفاء. وجوهَرُ الأحْرارِ. عندَ الأسْرارِ. ثمّ قال: هذهِ مِئَتا لفظَةٍ. تحتوي على أدَبٍ وعِظَةٍ. فمَنْ ساقَها هذا المَساقَ. فلا مِراءَ ولا شِقاقَ. ومنْ رامَ عكْسَ قالَبِها. وأنْ يردّها على عقِبِها. فلْيَقُلْ: الأسْرارُ. عندَ الأحرارِ. وجوهرُ الوَفاء. ينافي الجَفاء. وقُبْحُ السُمعةِ. ينشُرُ الشُنعَةَ. ثمّ على هذا المسحَبِ فليَسْحَبْها. ولا يرْهَبْها. حتى تكونَ خاتِمَةُ فِقَرِها. وآخِرَةُ دُرَرِها: ورَبُّ الإحسانِ. صنيعَةُ الإنسانِ. قال الراوي: فلمّا صدَعَ برسالَتِه الفَريدةِ. وأُملوحَتِهِ المُفيدةِ. علِمْنا كيفَ يتفاضَلُ الإنْشاءُ. وأنّ الفضْلَ بيدِ اللهِ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ. ثمّ اعْتَلَقَ كلٌ منّا بذَيلِه. وفلَذَ لهُ فِلذَةً من نيْلِهِ. فأبى قَبولَ فِلْذَتي. وقال: لستُ أرْزأُ تلامِذَتي. فقلتُ له: كُنْ أبا زيدٍ على شُحوبِ سَحنتِكَ. ونُضوبِ ماء وجْنتِكَ. فقال: أنا هوَ على نُحولي وقُحولي. وقشَفِ مُحولي. فأخذْتُ في تثريبِه. على تشْريقِه وتغريبِه. فحوْلَقَ واسترْجَعَ. ثمّ أنشدَ منْ قلْبٍ موجَعٍ:


سَلَّ الزّمانُ عليّ عضْبَـهْ *** ليَروعَني وأحَدَّ غَـرْبَـهْ

واستَلّ منْ جَفْنـي كَـرا *** هُ مُراغِماً وأسالَ غَربَـهْ

وأجالَني فـي الأفْـقِ أطْ *** وي شرْقَهُ وأجوبُ غرْبَهْ

فبِـكُـلّ جـوٍّ طـلْـعَةٌ *** في كلّ يومٍ لي وغَرْبَـهْ

وكذا المُغرِّبُ شخـصُـهُ *** متغرّبٌ ونواهُ غـرْبَـهْ

ثمّ ولّى يجُرّ عِطفَيْهِ. ويخطِرُ بيَدَيْهِ. ونحنُ بين متلفّتٍ إليهِ. ومتهافِتٍ عليهِ. ثمّ لمْ نلبَثْ أن حللْنا الحِبى. وتفرّقنا أياديَ سَبا.

المقامة القطيعية

: حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال

عاشَرتُ بقطيعَةِ الرّبيعِ. في إبّانِ الرّبيعِ. فِتيةً وجوهُهُمْ أبلَجُ من أنوارِهِ. وأخلاقُهُمْ أبهَجُ من أزهارِهِ. وألفاظُهُمْ أرقُّ من نسيمِ أسحارِهِ. فاجتَلَيتُ منهُمْ ما يُزْري على الرّبيعِ الزّاهِرِ. ويُغْني عن رنّاتِ المَزاهِرِ. وكنّا تقاسَمْنا على حِفْظِ الوِدادِ. وحَظْرِ الاستِبْدادِ. وأن لا يتفرّدَ أحدُنا بالتِذاذٍ. ولا يستأثِرَ ولو برَذاذٍ. فأجْمَعْنا في يومٍ سَما دَجْنُهُ. ونَما حُسنُه. وحكَمَ بالاصْطِباحِ مُزْنُهُ. على أنْ نلتَهي بالخُروجِ. إلى بعضِ المُروجِ. لنُسرِّحَ النّواظِرَ. في الرّياضِ النّواضِرِ. ونصْقُلَ الخواطِرَ. بشَيْمِ المَواطِرِ. فبرَزْنا ونحنُ كالشّهورِ عِدّةً. وكنَدْمانَيْ جَذيمَةَ مودّةً. إلى حَديقَةٍ أخذَتْ زُخرُفَها وازّيّنَتْ. وتنوّعتْ أزاهيرُها وتلوّنَتْ. ومعَنا الكُمَيتُ الشَّموسُ. والسُقاةُ الشُّموسُ. والشّادي الذي يُطرِبُ السّامِعَ ويُلهِيهِ. ويَقْري كلَّ سمْعٍ ما يشتَهيهِ. فلمّا اطمأنّ بِنا الجُلوسُ. ودارَتْ عليْنا الكؤوسُ. وغَلَ علَيْنا ذِمْرٌ. عليهِ طِمْرٌ. فتجَهّمْناهُ تجهُّمَ الغيدِ الشِّيبَ. ووجَدْنا صفْوَ يومِنا قد شِيبَ. إلا أنهُ سلّمَ تسليمَ أولي الفَهْمِ. وجلسَ يَفُضّ لَطائِمَ النّثْر والنّظْمِ. ونحنُ ننْزَوي منِ انبِساطِهِ. وننْبَريْ لطَيِّ بِساطِهِ. إلى أنْ غنّى شادِينا المُغْرِبُ. ومُغرِّدُنا المُطْرِبُ:

إلامَ سُعادُ لا تَصلِينَ حَـبْـلـي *** ولا تأوينَ لي مـمّـا أُلاقـي

صبَرْتُ عليكِ حتى عيلَ صبْري *** وكادَتْ تبلُغُ الرّوحُ التّـراقـي

وها أنا قدْ عزَمْتُ على انتِصافٍ *** أُساقي فيهِ خِلّي ما يُسـاقـي

فإنْ وَصْلاً ألذُّ بـهِ فـوَصْـلٌ *** وإنْ صَرْماً فصرْمٌ كالطّـلاقِ

قال: فاسَفْهَمْنا العابثَ بالمَثاني. لِمَ نصَبَ الوصْلَ الأوّلَ ورفَعَ الثّاني؟ فأقْسَمَ بتُربَةِ أبَوَيْه. لقدْ نطَقَ بما اختارَهُ سيبوَيه. فتشَعّبَتْ حينئذٍ آراءُ الجمْع. في تجويزِ النّصبِ والرّفعِ. فقالتْ فِرقَةٌ: رفْعُهُما هوَ الصّوابُ. وقالتْ طائِفةٌ: لا يجوزُ فيهِما إلا الانتِصابُ. واستَبْهَمَ على آخرينَ الجوابُ. واستعَرَ بينَهُمُ الاصطِخابُ. وذلِكَ الواغِلُ يُبْدي ابتِسامَ ذي معرِفةٍ. وإنْ لمْ يفُهْ ببِنْتِ شفَةٍ. حتى إذا سكنَتِ الزّماجِرُ. وصمتَ المزْجورُ والزّاجِرُ. قال: يا قومُ أنا أُنَبّئُكُمْ بتأويلِهِ. وأميّزُ صَحيحَ القوْلِ منْ عَليلِهِ. إنهُ لَيَجوزُ رفْعُ الوصْلَينِ ونصْبُهُما. والمُغايَرَةُ في الإعرابِ بينَهُما. وذلِكَ بحسَبِ اختِلافِ الإضْمارِ. وتقْديرِ المحْذوفِ في هَذا المِضْمارِ. قال: ففَرَطَ منَ الجَماعةِ إفْراطٌ في مُماراتِهِ. وانخِراطٌ إلى مُباراتِهِ. فقال: أما إذا دعوْتُمْ نَزالِ. وتلبّبْتُمْ للنّضالِ. فما كلِمَةٌ هيَ إنْ شِئْتُمْ حرْفٌ محْبوبٌ. أوِ اسمٌ لِما فيهِ حرْفٌ حَلوبٌ؟ وأي اسمٍ يترَدّدُ بينَ فرْدٍ حازِمٍ. وجمْعٍ مُلازِمٍ؟ وأيّةُ هاءٍ إذا التحقَتْ أماطَتِ الثِّقَلَ. وأطلَقَتِ المُعتقَلَ؟ وأينَ تدخُلُ السينُ فتعزِلُ العامِلَ. منْ غيرِ أن تُجامِلَ؟ وما منْصوبٌ أبَداً على الظّرْفِ. لا يخْفِضُهُ سوى حرْفٌ؟ وأيّ مُضافٍ أخَلّ منْ عُرَى الإضافَةِ بعُرْوَةٍ. واختلَفَ حُكمُهُ بينَ مساءٍ وغُدوَةٍ؟ وما العامِلُ الذي يتّصلُ آخِرُهُ بأوّلِهِ. ويعمَلُ معكوسُهُ مثلَ عمَلِه؟ وأيّ عمَلٍ نائِبُهُ أرْحَبُ منهُ وَكْراً. وأعظَمُ مَكْراً. وأكثَرُ للهِ تَعالى ذِكْراً؟ وفي أيّ موطِنٍ تلبَسُ الذُّكْرانُ. براقِعَ النّسوانِ. وتبرُزُ ربّاتُ الحِجالِ. بعَمائِمِ الرّجالِ؟ وأينَ يجِبُ حِفظُ المَراتِبِ. على المضْروبِ والضّارِبِ؟ وما اسمٌ لا يُعرَفُ إلا باستِضافَةِ كلِمتَينِ. أوِ الاقتِصارِ منه على حرْفَينِ. وفي وَضْعِهِ الأوّلِ التِزامٌ. وفي الثّاني إلْزامٌ؟ وما وصْفٌ إذا أُردِفَ بالنّونِ. نقَصَ صاحِبُهُ في العُيونِ. وقُوّمَ بالدّونِ. وخرَجَ منَ الزَّبونِ. وتعرّضَ للهُونِ؟ فهَذِهِ ثِنْتا عشْرَةَ مسألةً وفْقَ عدَدِكُمْ. وزِنَةَ لَدَدِكُمْ. ولو زِدْتُمْ زِدْنا. وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا. قال المُخبرُ بهذِهِ الحِكايةِ: فورَدَ عليْنا من أحاجِيهِ اللاّتي هالَتْ. لمّا انْهالَتْ. ما حارَتْ لهُ الأفكارُ وحالَتْ. فلمّا أعجزَنا العَوْمُ في بحرِهِ. واستسْلَمَتْ تَمائِمُنا لسِحْرِهِ. عدَلْنا منِ استِثْقالِ الرّؤيَةِ لهُ إلى استِنْزالِ الرّوايَةِ عنهُ. ومِنْ بَغْيِ التّبرّمِ بهِ إلى ابتِغاء التعلّمِ منهُ. فقال: والذي نزّلَ النّحْوَ في الكَلامِ. منزِلَةَ المِلْحِ في الطّعامِ. وحجَبَهُ عن بصائِرِ الطّغامِ. لا أنَلْتُكُمْ مَراماً. ولا شفيْتُ لكُمْ غَراماً. أو تُخوّلَني كلُّ يدٍ. ويخْتَصّني كلٌ منكُم بيَدٍ. فلمْ يبْقَ في الجماعةِ إلا منْ أذْعَنَ لحُكمِهِ. ونبَذَ إلَيْهِ خُبْأةَ كُمّهِ. فلمّا حصلَتْ تحتَ وِكائِهِ. أضرَمَ شُعلَةَ ذكائِهِ. فكشَفَ حينئذٍ عن أسْرارِ ألْغازِهِ. وبدائِعِ إعْجازِهِ. ما جَلا بهِ صدأ الأذْهانِ. وجلّى مطْلَعَهُ بنورِ البُرْهانِ. قال الرّاوي: فهِمْنا. حينَ فهِمْنا. وعجِبْنا. إذْ أُجِبْنا. وندِمْنا. على ما ندّ مِنّا. وأخذْنا نعتَذِرُ إليهِ اعتِذارَ الأكْياسِ. ونعْرِضُ عليهِ ارتِضاعَ الكاسِ. فقالَ: مأرَبٌ لا حَفاوةٌ. ومشْرَبٌ لمْ يبْقَ لهُ عندي حَلاوَةٌ. فأطَلْنا مُراودَتَهُ. ووالَيْنا مُعاوَدَتَهُ. فشمخَ بأنفِهِ صَلَفاً. ونأى بجانِبِه أنَفاً. وأنشدَ:

نَهاني الشيْبُ عمّا فـيهِ أفْـراحـي *** فكيفَ أجمَعُ بين الـرّاحِ والـرّاحِ

وهل يجوزُ اصطِباحي من مُعتّـقةٍ *** وقد أنارَ مشيبُ الرّأسِ إصْباحـي

آلَيتُ لا خامرَتني الخمرُ ما علِقَـتْ *** روحي بجِسْمي وألفاظي بإفْصاحي

ولا اكتسَتْ لي بكاساتِ السُلافِ يدٌ *** ولا أجَلتُ قِداحـي بـين أقْـداحِ

ولا صرَفْتُ إلى صِرْفٍ مُشَعشَـعةٍ *** همّي ولا رُحتُ مُرْتاحاً إلى راحِ

ولا نظَمْتُ علـى مـشـمـولَةٍ أبـداً *** شملي ولا اخترْتُ نَدماناً سوى الصّاحي

مَحا المشيبُ مِراحي حينَ خطّ عـلـى *** رأسي فأبغِضْ به من كـاتِـبٍ مـاحِ

ولاحَ يلْحَى على جرّي العِـنـانَ إلى *** ملْهًى فسُـحْـقـاً لـهُ مـن لائِحٍ لاحِ

ولوْ لهَوْتُ وفَـوْدِي شـائِبٌ لـخَـبـا *** بينَ المصابيحِ من غسّانَ مِصْبـاحـي

قومٌ سَجاياهُـمُ تـوْقـيرُ ضَـيْفِـهِـمِ *** والشّيبُ ضيفٌ له التّوْقـيرُ يا صـاحِ

ثمّ إنّه انْسابَ انسيابَ الأيْمِ. وأجْفلَ إجْفالَ الغيْمِ. فعلِمْتُ أنهُ سِراجُ سَروجَ. وبدْرُ الأدبِ الذي يجْتابُ البُروجَ. وكان قُصارانا التّحرُّقَ لبُعدِهِ. والتّفرُّقَ منْ بعدِهِ.

تفسير ما أودع هذه المقامة

من النكت العربية والأحاجي النحوية

أما الكلمة التي هي حرف محبوب أو اسم لما فيه حرف حلوب: فهي نعم إن أردت بها تصديق الأخبار أو العدة عند السؤال فهي حرف، وإن عنيت بها الإبل فهي اسم، والنعم تذكر وتؤنث وتطلق على الإبل وعلى كل ماشية فيها إبل، وفي الإبل الحرف وهي النّاقة الضامة، سميت حرفاً تشبيهاً لها بحرف السيف، وقيل إنه الضخمة تشبيهاً لها بحرف الجبل.

وأما الاسم المردد بين فرد حازم وجمع ملازم: فهي سراويل، قال بعضهم: هو واحد وجمعه سراويلات، فعلى هذا القول هو فرد. وكنى عن ضمه الخصر بأنه حازم. وقال آخرون: بل هو جمع واحده سروال مثل شملال وشماليل وسربال وسرابيل، فهو على هذا القول جمع. ومعنى قوله ملازم أي لا ينصرف، وإنّم لم ينصرف هذا النوع من الجمع وهو كل جمع ثالثه ألف وبعدها حرف مشدد أو حرفان أو ثلاثة أوسطها ساكن لثقله وتفرده دون غيره من الجموع بأن لا نظير له في الأسماء الآحاد. وقد كنى في هذه الأحجية عما لا ينصرف بالملازم كما كنى في التي قبلها عما ينصرف باللازم.

وأما الهاء التي إذا التحقت أماطت الثقل وأطلقت المعتقل: هي الهاء اللاحقة بالجمع المقدم ذكره كقولك: صيارفة وصياقلة، فينصرف هذا الجمع عند التحاق الهاء بها لأنها قد أصارته إلى أمثال الآحاد نحو رفاهية وكراهية، فخف بهذا السبب وصرف لهذه العلة. وقد كنى في هذه الأحجية عما لا ينصرف بالمعتقل كما كنى في التي قبلها عما لا ينصرف بالملازم.

وأما السين التي تعزل العامل من غير أن تجامل: فهي التي تدخل على الفعل المستقبل وتفصل بينه وبين أن التي كانت قبل دخولها من أدوات النصب فيرتفع حينئذ الفعل وتنتقل أن عن كونها الناصبة للفعل إلى أن تصير المخففة من الثقيلة، وذلك كقوله تعالى: علم أن سيكون منكم مرضى، وتقديره: علم أنه سيكون.

وأما المنصوب على الظرف الذي لا يخفضه سوى حرف: فهو عند إذ لا يجره غير من خاصة، وقول العامة ذهبت إلى عنده لحن.

وأما المضاف الذي أخل من عرى الإضافة بعروة واختلف حكمه بين مساء وغدوة: فهو لدن، ولدن من الأسماء الملازمة للإضافة وكل ما يأتي بعدها مجرور به إلا غدوة فإن العرب نصبتها بلدن لكثرة استعمالهم إياها في الكلام ثم نوّنتها أيضاً ليتبين بذلك أنها منصوبة لا أنها من نوع المجرورات التي لا تنصرف. وعند بعض النحويين أن لدن بمعنى عند، والصحيح أن بينهما فرقاً لطيفاً وهو أن عند يشتمل معناها على ما هو في ملكك ومكنتك مما دنا منك وبعد عنك، ولدن يختص معناها بما حضرك وقرب منك.

وأما العامل الذي يتصل آخره بأوله ويعمل معكوسه مثل عمله: فهو يا، ومعكوسه أي، وكلتاهما من حروف النداء وعملهم في الاسم المنادى سيان وإن كانت يا أجول في الكلام وأكثر في الاستعمال، وقد اختار بعضهم أن ينادى بأي القريب فقط كالهمزة.

وأما العامل الذي نائبه أرحب منه وكراً وأعظم مكراً وأكثر لله تعالى ذكراً: فهو باء القسم، وهذه الباء هي أصل حروف القسم بدلالة استعمالها مع ظهور فعل القسم في قولك: أقسم بالله، ولدخولها أيضاً على المضمر كقولك: بك لأفعلن، وإنما أبدلت الواو منها في القسم لأنهما جميعاً من حروف الشفة ثم لتقارب معنييهم لأن الواو تفيد الجمع والباء تفيد الإلصاق وكلاهما متفق والمعنيان متقاربان، ثم صارت الواو المبدلة من الباء أدور في الكلام وأعلق بالأقسام ولهذا ألغز بأنه أكثر لله تعالى ذكراً. ثم إن الواو أكثر موطناً من الباء لأن الباء لا تدخل إلا على الاسم ولا تعمل غير الجر، والواو تدخل على الاسم والفعل والحرف وتجر تارة بالقسم وتارة بإضمار رب وتنتظم أيضاً مع نواصب الفعل وأدوات العطف فلهذا وصفها برحب الوكر وعظم المكر.

وأما الموطن الذي يلبس فيه الذكران براقع النسوان وتبرز فيه ربات الحجال بعمائم الرجال: فهو أول مراتب العدد المضاف وذلك ما بين الثلاثة إلى العشرة فإنه يكون مع المذكر بالهاء ومع المؤنث بحذفها، كقوله تعالى: سخره عليهم سبع ليال وثمانية أيام، والهاء في هذا الموطن من خصائص المؤنث كقولك: قائم وقائمة وعالم وعالمة، فقد رأيت كيف انعكس في هذا الموطن حكم المذكر والمؤنث حتى انقلب كل منهما في ضد قالبه وبرز في بزة صاحبه.

وأما الموضع الذي يجب فيه حفظ المراتب على المضروب والضارب: فهو حيث يشتبه الفاعل بالمفعول لتعذر ظهور علامة الإعراب فيهما أو في أحدهما، وذلك إذا كانا مقصورين مثل موسى وعيسى، أو من أسماء الإشرة نحو ذاك وهذا، فيجب حينئذ لإزالة اللبس إقرار كل منهما في رتبته ليعرف الفاعل منهما بتقدمه والمفعول بتأخره.

وأما الاسم الذي لا يفهم إلا باستضافة كلمتين أو الاقتصار منه على حرفين: فهو مهما، وفيها قولان: أحدهما أنها مركبة من مه التي هي بمعنى اكفف ومن ما، والقول الثاني، وهو الصّحيح، إن الأصل فيها م فزيدت عليها ما أخرى كما تزاد على أن، فصار لفظها ما ما فثقل عليهم توالي كلمتين بلفظ واحد فأبدلوا من ألف ما الأولى هاء فصارتا مهما. ومهما من أدوات الشرط والجزاء ومتى لفظت بها لم يتم الكلام ولا عقل المعنى إلا بإيراد كلمتين بعدها كقولك: مهما تفعل افعل، وتكون حينئذ ملتزماً للفعل. وإن اقتصرت منها على حرفين وهما مه التي بمعنى اكفف فهم المعنى وكنت ملزماً من خاطبته أن يكف.

وأما الوصف الذي إذا أردف بالنون نقص صاحبه في العيون وقوم بالدون وخرج من الزبون وتعرض للهون: فهو ضيف إذا لحقته النون استحال إلى ضيفن، وهو الذي يتبع الضيف، وينزل في النقد منزلة الزيف.

المقامة الفرضية

خبرَ الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال:

أرِقْتُ ذاتَ ليلَةٍ حالِكَةِ الجلْبابِ. هامِيَةِ الرَّبابِ. ولا أرَقَ صَبٍّ طُرِدَ عنِ الباب. ومُنيَ بصَدّ الأحْبابِ. فلمْ تزَلِ الأفكارُ يهِجْنَ همّي. ويُجِلنَ في الوَساوِسِ وهْمي. حتى تمنّيْتُ. لمَضَضِ ما عانَيْتُ. أنْ أُرْزَقَ سَميراً منَ الفُضَلاء. ليُقصّرَ طولَ ليلَتي اللّيْلاء. فما انقَضَتْ مُنيَتي. ولا أُغمِضَتْ مُقلَتي. حتى قرَعَ البابَ قارِعٌ. لهُ صوتٌ خاشِعٌ. فقلتُ في نفسي: لعلّ غَرْسَ التّمني قد أثمَرَ. وليْلَ الحظّ قد أقْمَرَ. فنهَضْتُ إليْهِ عَجْلانَ. وقلتُ: مَنِ الطّارِقُ الآن؟ فقال: غَريبٌ أجَنّهُ الليلُ. وغشِيَهُ السّيْلُ. ويبْتَغي الإيواءَ لا غَير. وإذا أسْحَرَ قدّمَ السّيرَ. قال: فلمّا دَلّ شُعاعُهُ على شمْسِهِ. ونَمّ عُنوانُهُ بسِرّ طِرْسِهِ. علِمْتُ أنّ مُسامرَتَهُ غُنْمٌ. ومُساهَرَتَهُ نُعْمٌ. ففتَحْتُ البابَ بابتِسامٍ. وقلتُ: ادخُلوها بسَلام. فدخَلَ شخصٌ قد حنى الدّهرُ صَعْدَتَهُ. وبلّلَ القَطْرُ بُردَتَهُ. فحَيّا بلِسانٍ عضْبٍ. وبَيانٍ عذْبٍ. ثمّ شكرَ على تلبِيَةِ صوتِه. واعتَذَرَ منَ الطُّروقِ في غيرِ وقتِه. فدانَيْتُهُ بالمِصْباحِ المتّقِدِ. وتأمّلْتُهُ تأمّلَ المُنتَقِدِ. فألفَيْتُهُ شيخَنا أبا زيْدٍ بِلا رَيبٍ. ولا رَجْمِ غيْبٍ. فأحْلَلْتُه محلّ مَنْ أظفَرَني بقُصْوى الطّلَبِ. ونقَلَني منْ وقْذِ الُكرَبِ. إلى رَوْحِ الطّرَبِ. ثمّ أخذَ يشْكو الأينَ. وأخذْتُ في كيفَ وأينَ؟ فقال: أبلِعْني ريقي. فقدْ أتعَبَني طَريقي. فظَنَنْتُهُ مُستَبْطِناً للسّغَبِ. مُتكاسِلاً لهَذا السّبَبِ. فأحضَرْتُهُ ما يُحْضَرُ للضّيفِ المُفاجي. في اللّيلِ الدّاجي. فانقَبَضَ انقِباضَ المُحتَشِمِ. وأعْرَضَ إعْراضَ البَشِمِ. فسُؤتُ ظَنّاً بامتِناعِهِ. وأحْفَظَني حؤولُ طِباعِهِ. حتى كِدْتُ أُغْلِظُ لهُ في الكلامِ. وألسَعُهُ بحُمَةِ المَلامِ. فتبيّنَ منْ لمَحاتِ ناظِري. ما خامَرَ خاطِري. فقال: يا ضَعيفَ الثّقةِ. بأهلِ المِقَةِ. عدِّ عمّا أخطَرْتَهُ بالَكَ. واسْتَمِعْ إليّ لا أبا لكَ! فقلْتُ: هاتِ. يا أخا التُرّهاتِ! فقال: اعْلَمْ أني بِتُّ البارِحَةَ حَليفَ إفْلاسٍ. ونَجيَّ وسْواسٍ. فلمّا قضى الليلُ نحْبَهُ. وغوّرَ الصُبحُ شُهْبَهُ. غدَوْتُ وقْتَ الإشْراقِ. إلى بعضِ الأسْواقِ. متصدّياً لصَيْدٍ يسْنَحُ. أو حُرٍّ يسمَحُ. فلحَظْتُ بها تمْراً قد حَسُنَ تصْفيفُهُ. وأحسَنَ إليْهِ مَصيفُهُ. فجمعَ على التّحقيقِ. صَفاءَ الرّحيقِ. وقُنوءَ الَعقيقِ. وقُبالتَهُ لِبَأٌ قد برزَ كالإبْريزِ الأصفَرِ. وانجلى في اللونِ المزَعْفَرِ. فهوَ يُثْني على طاهِيهِ. بلِسانِ تناهِيهِ. ويصوِّبُ رأيَ مُشتَريهِ. ولوْ نقَدَ حبّةَ القلْبِ فيهِ. فأسرَتْني الشّهوةُ بأشْطانِها. وأسلَمَتْني العَيْمَةُ إلى سُلْطانِها. فبَقيتُ أحْيَرَ من ضَبّ. وأذْهَلَ من صَبّ. لا وُجْدَ يوصِلُني إلى نيْلِ المُرادِ. ولذّةِ الازْدِرادِ. ولا قدَمَ تُطاوعُني على الذّهابِ. مع حُرقَةِ الالتِهابِ. لكِنْ حَداني القرَمُ وسوْرَتُهُ. والسّغَبُ وفَورَتُهُ. على أنْ أنتَجِعَ كُلَّ أرضٍ. وأقتَنِعَ منَ الوِرْدِ ببَرْضٍ. فلمْ أزَلْ سَحابةَ ذلِكَ النّهارِ. أُدْلي دَلْوي إلى الأنْهارِ. وهيَ لا ترْجِعُ ببِلّةٍ. ولا تجْلُبُ نقْعَ غُلّةٍ. إلى أنْ صغَتِ الشمسُ للغُروبِ. وضعُفَتِ النّفسُ منَ اللّغوبِ. فرُحْتُ بكبِدٍ حرّى. وانثَنَيْتُ أقدّمُ رِجْلاً وأؤخّرُ أخرى. وبينَما أنا أسعى وأقعُدُ. وأهُبُّ وأرْكُدُ. إذ قابَلَني شيخٌ يتأوّهُ أهّةَ الثّكْلانِ. وعيناهُ تهْمُلانِ. فما شغَلني ما أنا فيهِ منْ داء الذّيبِ. والخَوى المُذيبِ. عنْ تَعاطي مُداخَلَتِهِ. والطّمعِ في مُخاتَلَتِهِ. فقلتُ لهُ: يا هَذا إنّ لبُكائِكَ سِرّاً. ووَراء تحرُّقِكَ لشَرّاً. فأطْلِعْني على بُرَحائِكَ. واتّخِذْني منْ نُصَحائِكَ. فإنّكَ ستجِدُ مني طَبّاً آسِياً. أو عوْناً مؤاسياً. فقال: واللهِ ما تأوّهي منْ عيشٍ فاتَ. ولا منْ دهْرٍ افْتاتَ بلْ لانقِراضِ العِلمِ ودُروسهِ. وأفولِ أقمارِهِ وشُموسِهِ. فقلت: وأيّ حادثَةٍ نجمَتْ. وقضيّةٍ استعْجَمتْ. حتى هاجَتْ لكَ الأسَفَ. على فقْدِ منْ سلَفَ؟ فأبْرَزَ رُقعَةً منْ كُمّهِ. وأقسَمَ بأبيهِ وأمّه. لقدْ أنزَلَها بأعْلامِ المدارِسِ. فما امتازوا عنِ الأعْلامِ الدّوارِسِ. واستنْطَقَ لَها أحْبارَ المَحابِرِ. فخرِسوا ولا خرَسَ سُكّانِ المقابِرِ. فقلتُ: أرِنيها. فلعلّي أغْني فيها. فقال: ما أبعَدْتَ في المَرامِ. فرُبّ رمْيَةٍ منْ غيرِ رامٍ. ثمّ ناوَلنيها. فإذا المكْتوبُ فيها:

أيّها العالِمُ الفَقيهُ الـذي فـا *** قَ ذُكاءً فما لهُ منْ شَبـيهِ

أفِتْنا في قضيّةٍ حادَ عنْـهـا *** كلُّ قاضٍ وحارَ كلُّ فَقـيهِ

رجُلٌ ماتَ عنْ أخٍ مسلِمٍ حُ *** رٍ تقيٍّ مـنْ أمّـهِ وأبـيهِ

ولهُ زوْجَةٌ لها أيّها الحِـبْ *** رُ أخٌ خالِصٌ بلا تَـمـويهِ

فحوَتْ فرْضَها وحازَ أخوها *** ما تبَقّى بالإرثِ دونَ أخيهِ

فاشْفِنا بالجَوابِ عمّا سألْنـا *** فهْوَ نصٌّ لا خُلْفَ يوجَدُ فيهِ

فلمّا قرأتُ شِعْرَها. ولمحْتُ سرّها. قلتُ له: على الخَبيرِ بها سقَطْتَ. وعندَ ابنِ بجْدَتِها حططْتَ. إلا أني مُضطرِمُ الأحْشاء. مُضطَرٌّ إلى العَشاء. فأكْرِمْ مثْوايَ. ثم استَمِعْ فتْوايَ. فقال: لقد أنصَفْتَ في الاشتِراطِ. وتجافَيْتَ عنِ الاشتِطاطِ. فصِرْ معي. إلى مربَعي. لتَظْفَرَ بما تبْتَغي. وتنقَلِبَ كما ينْبَغي. قال: فصاحَبتُهُ إلى ذَراهُ. كما حكَمَ اللهُ. فأدخَلَني بيتاً أحرجَ من التّابوتِ. وأوْهَنَ منْ بيتِ العنكَبوتِ. إلا أنّهُ جبَرَ ضيقَ ربْعِهِ. بتوْسِعَةِ ذرْعِهِ. فحكّمَني في القِرى. ومطايِبِ ما يُشتَرى. فقلتُ: أريدُ أزْهى راكبٍ على أشْهى مرْكوبٍ. وأنْفَعَ صاحِبٍ مع أضرّ مصْحوبٍ. فأفْكَرَ ساعةً طويلةً. ثمّ قال: لعلّك تعْني بنْتَ نُخَيلةٍ. معَ لِباء سُخَيلةٍ. فقلتُ: إياهُما عنَيْتُ. ولأجْلِهِما تعنّيْتُ. فنهَضَ نشيطاً. ثمّ ربَضَ مُستَشيطاً. وقال: اعْلَمْ أصلحَكَ اللهُ أنّ الصّدْقَ نَباهةٌ. والكذِبَ عاهَةٌ. فلا يحمِلنّكَ الجوعُ الذي هوَ شِعارُ الأنبِياء. وحِليَةُ الأولِياء. على أنْ تلْحَقَ بمَنْ مانَ. وتتخلّقَ بالخُلُقِ الذي يُجانِبُ الإيمانَ. فقدْ تجوعُ الحُرّةُ ولا تأكُلُ بثَدْيَيها. وتأبى الدنيّةَ ولوِ اضطُرّتْ إلَيْها. ثمّ إنّي لستُ لك بزَبونٍ. ولا أُغضي على صَفقَةِ مغْبونٍ. وها أنا قد أنذَرْتُكَ قبلَ أنْ ينهَتِكَ السِّتْرُ. وينعَقِدَ فيما بينَنا الوِتْرُ. فلا تُلْغِ تدبُّرَ الإنْذارِ. وحَذارِ منَ المُكاذبَةِ حَذارِ. فقلْتُ لهُ: والذي حرّمَ أكْلَ الرِّبا. وأحَلّ أكْلَ اللِّبا. ما فُهْتُ بزورٍ. ولا دلّيْتُكَ بغُرورٍ. وستخْبُرُ حَقيقَةَ الأمْرِ. وتحْمَدُ بذْلَ اللّبإ والتّمْرِ. فهشّ هَشاشَةَ المصْدوقِ. وانطلَقَ مُغِذّاً إلى السّوقِ. فما كان بأسرَعَ منْ أنْ أقبَلَ بهِما يدْلَحُ. ووجْهُهُ منَ التّعبِ يكلَحُ. فوضَعَهُما لديّ. وضْعَ المُمْتَنّ عليّ. وقال: اضرِبْ الجيْشَ بالجيْشِ. تحْظَ بلَذّةِ العيشِ. فحسَرْتُ عن ساعِدِ النّهِمِ. وحملْتُ حملَةَ الفيلِ المُلتَهِمِ. وهو يلْحَظُني كما يلحَظُ الحَنِقُ. ويوَدّ منَ الغيْظِ لو أختَنِقُ. حتى إذا هلقَمْتُ النّوعينِ. وغادرْتُهُما أثَراً بعْدَ عينٍ. أقرَدْتُ حيْرَةً في إظْلالِ البَياتِ. وفِكرةً في جَوابِ الأبْياتِ. فما لبِثَ أن قام. وأحضَرَ الدّواةَ والأقْلامَ. وقال: قد ملأتَ الجرابَ. فأمْلِ الجَوابَ. وإلا فتهيّأ إنْ نكَلْتَ. لاغْتِرامِ ما أكلْتَ! فقلْتُ له: ما عِندي إلا التّحقيقُ. فاكتُبِ الجوابَ وباللهِ التوْفيقُ:

قُلْ لمَنْ يُلغِزُ المســــائِلَ إنـي *** كاشِفٌ سِرّها الذي تُخْفــــيهِ

إنّ ذا الميّتَ الـــذي قدّمَ الشّرْ *** عُ أخا عِرسِــــهِ على ابنِ أبيهِ

رجُـــلٌ زوّجَ ابنَهُ عنْ رِضاهُ *** بحَماةٍ لهُ ولا غَـرْوَ فـــــيهِ

ثمّ ماتَ ابنُهُ وقدْ عـلِـقَـتْ مـنْ *** هُ فـجـاءتْ بـابـنٍ يسُـرّ ذويهِ

فهُو ابنُ ابـنِـهِ بـغـيرِ مِـراءٍ *** وأخو عِـرسِـهِ بـلا تَـمْـويهِ

وابنُ الابنِ الصّريحُ أدْنى إلى الـجَـ *** دّ وأوْلـى بـإرْثِـهِ مـنْ أخـيهِ

فلِذا حينَ مـاتَ أوجِـبَ لـلـزّوْ *** جَةِ ثُمْنُ التُـراثِ تـسـتَـوفـيهِ

وحوى ابنُ ابنِهِ الذي هوَ في الأصْـ *** لِ أخوها مـنْ أمّـهـا بـاقِـيهِ

وتخلّى الأخُ الشّـقـيقُ مـنَ الإرْ *** ثِ وقُلْنا يكـفـيكَ أن تـبـكـيهِ

هاكَ مني الفُتْيا التي يحْـتَـذيهـا *** كلُّ قاضٍ يقضي وكـلُّ فَـقـيهِ

قال: فلمّا أثبَتّ الجوابَ. واستَثبتُّ منهُ الصّوابَ. قال لي: أهلَكَ والليلَ. فشمِّرِ الذّيْلَ. وبادرِ السّيْلَ! فقلتُ: إني بِدارِ غُربَةٍ. وفي إيوائي أفضَلُ قُربَةٍ. لا سيّما وقد أغدَفَ جُنْحُ الظّلامِ. وسبّحَ الرّعدُ في الغَمامِ. فقال: اغْرُبْ عافاكَ اللهُ إلى حيثُ شِيتَ. ولا تطمَعْ في أنْ تبيتَ. فقلتُ: ولمَ ذاكَ. معَ خُلوّ ذَراكَ؟ قال: لأني أنعَمْتُ النظَرَ. في التِقامِكَ ما حضَرَ. حتى لمْ تُبْقِ ولمْ تذَرْ. فرأيتُك لا تنظُرُ في مصلحَتِكَ. ولا تُراعي حِفْظَ صحّتِكَ. ومَنْ أمعَنَ فيما أمعنْتَ. وتبطّنَ ما تبطّنْتَ. لم يكَدْ يخْلُصُ منْ كِظّةٍ مُدنِفَةٍ. أو هيْضَةٍ مُتلِفَةٍ. فدَعْني باللهِ كَفافاً. واخْرُجْ عني ما دُمْتَ مُعافًى. فوَالذي يُحْيي ويُميتُ. م لكَ عِندي مَبيتٌ! فلمّا سمِعْتُ ألِيّتَهُ. وبلَوْتُ بليّتَهُ. خرجْتُ منْ بيِته بالرّغْمِ. وتزوّدِ الغَمِّ. تجودُني السّماءُ. وتخْبِطُ بيَ الظّلْماءُ. وتَنبَحُني الكِلابُ. وتتقاذَفُ بيَ الأبوابُ. حتى ساقَني إلَيكَ لُطْفُ القضاء. فشُكْراً ليَدِه البَيضاء. فقلتُ لهُ: أحْبِبْ بلِقائِكَ المُتاحِ. إلى قلْبيَ المُرْتاحِ! ثمّ أخذَ يفْتَنّ بحِكاياتِهِ. ويُشْمِطُ مُضحِكاتِهِ بمُبْكِياتِه. إلى أنْ عطَسَ أنْفُ الصّباحِ. وهتَفَ داعي الفَلاحِ. فتأهّبَ لإجابَةِ الدّاعي. ثمّ عطَفَ إلى وَداعي. فعُقْتُه عنِ الانبِعاثِ. وقلتُ: الضّيافَةُ ثلاثٌ! فناشَدَ وحرّجَ. ثمّ أمَّ المَخرَجَ. وأنشدَ إذ عرّجَ:

لا تزُرْ منْ تُحبّ في كلّ شهرٍ *** غيرَ يومٍ ولا تـزِدْهُ عـلـيهِ

فاجْتِلاءُ الهِلالِ في الشهْرِ يومٌ *** ثمّ لا تنظُرُ الـعُـيونُ إلـيْهِ

قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فودّعتُهُ بقلْبٍ دامي القُرْحِ. وودِدْتُ لوْ أنّ ليلَتي بطيئَةُ الصُبْحِ.